مفهوم الدين والملة
ونأخذ مثلاً آخر، هو دلالة كلمة (مِلة) ومحاولة الوصول إلى المعنى الإمام للكلمة؛ من خلال القاسم المشترك الكامن في صور استخدامها الثقافي.
1- قال تعالى: { إِنّي تَرَكْتُ مِلّةَ قَوْمٍ لاّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُمْ بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ*وَاتّبَعْتُ مِلّةَ آبَآئِـيَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} (يوسف 37-38)
نلاحظ أن دلالة كلمة (ملة) ظهرت في النصين، بصورة الجمع من الناس الذين يعتقدون بمعتقدات معينة مستمرة، خلال الزمن طال أم قَصُرَ.
انظر إلى قوله تعالى: {لَنُخْرِجَنّكَ يَشُعَيْبُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا} (الأعراف 88) بمعنى الرجوع والانضمام إلى جماعتنا وحمل معتقداتنا. قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىَ عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النّصَارَىَ حَتّىَ تَتّبِعَ مِلّتَهُمْ } (البقرة 120) بمعنى الانضمام، والتقيد بجماعتهم فكراً، وعقيدة.
نصل إلى أن دلالة كلمة (ملة) يلزم لها عملية الجمع المتصل مع بعضه، ومستمر على ذلك، فلا يصح استخدام كلمة (ملة) على فكر لا يحمله، أو يتمثله في الواقع جماعة من الناس. فالجمع من الناس ضروري؛ لظهور دلالة كلمة (ملة)، وهؤلاء الجماعة مجتمعون على عقيدة معينة، يتمثلونها في واقعهم المعيشي.
فتكون صورة دلالة كلمة (ملة) هي الجمع من الناس الذين يحملون عقيدة واحدة، ومستمرون على ذلك في الواقع، دون توقف عن ممارسة معتقداتهم.
انظر إلى تحليل أصوات أحرف كلمة (ملة) مع الانتباه إلى أن أصل الكلمة هو (مل).
م : صوت يدل على جمع متصل.
ل : صوت يدل على حركة لازمة مستمرة متصلة بطيئة.
وجمع الأصوات بترتيب كلمة ( مل ) يوصلنا إلى المعنى الإمام للكلمة، الذي هو جمع متصل متحرك باستمرار، وبطئ دون توقف.
وبعد هذا الشرح والوصول إلى المعنى الإمام لكلمة (ملة) نأتي إلى الصور الأخرى التي استخدمت في التنزيل الحكيم.
مثلاً :
1-{ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ} (البقرة282)
ففعل الكتابة غير فعل الإملاء. فما هي الصورة التي ظهرت لفعل الإملاء في الواقع !؟
نلاحظ أن فعل الإملاء، هو قيام الإنسان باختيار كلمات معينة ( جمع متصل ) يقوم بلفظها على الآخر بصورة مستمرة بطيئة. وهذه الصورة هي المستخدمة في الثقافة المدرسية من خلال عملية الإملاء على الطلاب.
2-{وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلّذِينَ كَفَرُواْ } ( الرعد 32)
نلاحظ من خلال سياق النص، وإسقاطه على محله من الخطاب، أن صورة دلالة كلمة (أمليت ) أتت بصورة استخدام الجمع المتصل من الزمن واستمراره ببطء مع عملية الإملاء لهم من وعد ووعيد، ونذارة وبشارة. ولتقريب ذلك نقول بمعنى المهلة الزمنية، من باب تفسير الشيء بمآله.
لذا؛ ينبغي تثبيت دلالة الكلمة الإمام – أولاً-، وبعد ذلك ندرس صور ظهورها واستخدامها في الثقافة من خلال إسقاطها على محلها من الخطاب، وملاحظة تحقق دلالة الكلمة الإمام في كل الصور المستخدمة.
وبعد هذا العرض نصل إلى الفرق بين كلمة (ملة) وكلمة (دين).
الدين : هو اسم لما يدين الإنسان به من فكر، وعقيدة، وما ينبثق منهم من شريعة ونظام. سواءً حمله فرد أم جماعة، لا يستمد وجوده من الناس. {إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } (آل عمران 19){مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }يوسف76، لاحظ كلمة (دين) أتت بمعنى النظام والقانون الذي يحكم
الملة : منهج يلتزم به مجموعة من الناس، ومستمرين عليه، بصرف النظر عن صوابه، أو خطئه. ومن هذا الوجه يظهر العلاقة بين الدين، والملة.
فالإسلام دين الله ارتضاه للناس، والذي حقق الصورة الصائبة لهذا الدين على أرض الواقع، هو النبي الإمام إبراهيم لذلك أمر الخالق بإتباع ملة إبراهيم، وترك واجتناب كل المِلل الأخرى، التي تعد ذاتها أنها تحمل دين الله؛ مثل ملة اليهود، وملة النصارى، وملة الشيعة، وملة أهل السنة…الخ.
لذا؛ من الخطأ الفادح استخدام كلمة الدين اليهودي، أو النصراني…الخ، فالخالق لم ينزل إلا ديناً واحداً هو الإسلام. وهذا الدين قائم على محور ثابت،لم يتَغير منذ بدء نزوله؛ ألا وهو محور التوحيد ( الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح )، ومحوره التشريعي له صفة الإنسانية والعالمية، وكان ينزل تباعاً، ويتراكم حسب ما يسمح به المستوى المعرفي للأقوام، إلى أن اكتمل بناءه، في بعثة النبي محمد r ونزل هذا الشرع كاملاً في التنزيل الحكيم، وتم إكمال الدين، فاقتضى ذلك ختم النبوة. وصار الشرع الإلهي شرعاً إسلامياً كاملاً. وكان ينزل برفقة الأحكام الشرعية الإسلامية للأمم السابقة، شرع عيني قومي ظرفي، يحتوي على الآصار والأغلال عقوبة على كفرهم أو ظلمهم، ويتغير من قوم إلى آخرين حسب تغير الوقائع، ويتناوله النسخ والتعديل. وهذه دلالة النص{لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (المائدة 48)، ولكن بعد أن اكتمل الدين الإسلامي بشرعه الحنيف؛ صار الشرع والمنهاج الإسلامي واحداً للناس كلهم، ونُسخ الشرع الخاص الظرفي.
أما القول بأن الشرع الإسلامي كان موجوداً؛ بكامله في زُبر الأولين، فهذه الفكرة خطأ وقاصرة؛ لأن ذلك يتنافى مع مفهوم الإكمال. ومعلوم أن عملية إكمال الشرع الإسلامي حصلت في نزول التنزيل الحكيم، والذي كان في الزبر، والصحف الأولى الربانية، هو الأصوات العربية، التي ذكرت التوحيد، وبعض من الأحكام الشرعية الإسلامية، والباقي هو شرع ظرفي عيني.
والنتيجة هي:
أنزل الله -سبحانه – ديناً واحداً فقط، هو الإسلام، أما الملة؛ فهي المجموعة من الناس التي تمثلت هذا الإسلام بصورته الصائبة، بقيادة إمامهم النبي إبراهيم ، وكان النبي محمد مُتبعاً للنبي إبراهيم، أبو الأنبياء من حيث التوحيد، والمنهج،واسمها الملة الحنيفية، ويقابلها ملة اليهود والنصارى وغيرهم من الملل الأخرى مثل ملة الشيعة والسنة.
لذا، ينبغي حذف مقولة الأديان السماوية، أو تعددها، ويجب حصر ذلك في الدين الإسلامي فقط. فالرب واحد، والدين واحد، وجميع الأنبياء والرسل دينهم الإسلام، كما ويجب الانتباه إلى أن اليهودية، والنصرانية، ليستا دينين، وإنما هما ِملَّتان تقابلان الملة الحنيفية..
إذاً، ينبغي إرجاع الكلمة إلى الفعل الماضي الثنائي، أو الثلاثي، أو تحليل الكلمة إلى أصلها التي تألفت منه إذا كانت كلمة منحوتة من كلمتين أو أكثر، مع حذف الأحرف الصوتية (ا، و، ي) بشرط أن تكون ساكنة، مثل سمير، سامر،سميرة، تصير سمر، فإن كانت متحركة تصير من أصل الكلمة، ويضاف لدلالتها الصوتية دلالة حركتها كقوة مصغرة عن صوت الهمزة بقواها الثلاثة (الفتح والضم والكسر)، أو حذف الأحرف الزائدة، التي تدخل في تركيب الكلمة، سواء في بدايتها، أم وسطها، أم نهايتها، وقد تم جمع الأحرف التي يمكن أن تكون زائدة بكلمة (سألتمونيها) لاحظ احتوائها على أصوات المد(آ،و،ي) وأزيد عليها حرف (الراء)، مثل (كرر، شرر، فرر، خنزر، بعثر..) كونه صوت يدل على تكرار دلالة ما سبقه من الأحرف.
اضف تعليقا