إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ

( يَابَنِى ءادَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ )( سورة الأعراف – الآية 27(
لابد من دراسة الكلمات التي هي مفاصل النص ومحوره، وسأختار منها ما يخدم تشكيل فهم كلي للنص.
1- شيطان: من شطن وتدل على الانتشار والدفع المنتهي بستر، وظهرت ثقافة بمعنى السلوك الغير منضبط بشيء وهو خلاف الحق أو الصواب يمارسه الإنسان بقوة وينتهي هذا السلوك إلى الستر وعدم ظهور أي فائدة أو خير منه.
2- لباس: كلمة غير الثياب، وهي من لبس وتدل على حركة لازمة ثقيلة مجتمعة باستقرار منتهية بحركة حرة ، وهي لزوم شيء لشيء واجتماعه عليه مستقرا منتهي بحركة حرة، ومن هذا الوجه أتى النص: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }البقرة42 وظهرت ثقافة بصورة مادية مثل اللباس المعروف الذي يلبسه الإنسان على جسمه، وبصورة معنوية مثل لباس التقوى {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }الأعراف26.
3- رأى : كلمة غير نظر أو أبصر أو شاهد، وهي تدل على تكرار ظهور متوقف ويعاود الامتداد والإثارة الزمكانية، وظهر بصورتين:
الأولى :مادية وهي المتعلقة بالعين. والثانية : معنوية وهي متعلقة بالرأي.
{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }الصافات102.
4- سوءة: من سوء وهي غير كلمة عورة، و تدل على حركة حرة منضمة على ذاتها بامتداد مكاني منتهية بظهور متوقف، وظهرت ثقافة بمعنى الشيء الغير منضبط بقباحة أو فحش. فنقول رجل سيء الطبع، ونقول سيئة،وهي نتيجة السلوك الفاسد أو الفاحش، وامرأة سيئة الشكل، إن كانت غير منتظمة الملامح ولامتناسقة. ونقول سوءة الرجل ، بمعنى الشيء القبيح والفاحش والغير منتظم في سلوكه أو في ما يتبع له من ملكية وإدارة.
وبعد هذا الشرح اللساني للكلمات المفصلية في النص ، لابد من استحضار منظومة خلق الإنسان كإنس وجان، واستحضار الحوار الذي جرى بين الرب والملائكة وإبليس وآدم ، وإسقاط كل ذلك على الواقع ودراسته بعلم منطقي نصل من خلاله إلى مفهوم النص المعني بالدراسة .
يحذر الرب بني آدم وينصحهم ويوجههم من الشيطان وأتباعه بأنهم يحاولون أن ينزعوا عنهم مفاهيم الخير والصلاح التي انبثق منها نظام يضبط سلوكهم بحسبه، وهذا يترتب عليه ظهور السلوك السيئ والفاحش، ورأي الشيطان وأتباعه فيكم ليس كرأيكم فيهم، لأن الإنسان المؤمن الصالح يُكوّن رأيا جيدا وإيجابيا عن الآخرين حسب مفاهيم الخير والصلاح التي يحملها ويعاملهم على موجبها ويتمنى لهم الخير، بينما الشيطان وأتباعه يُكوّنون رأياً مختلفا حسب مفاهيمهم السيئة والشريرة، ويعاملون الآخرين على موجبها، ولايظهر منهم إلاّ كل شر وضرر وأذى للناس.
لذا؛ أتى النص متعلق بمفهوم اجتماعي إداري يعلم المؤمنين أن لا يكونوا مغفلين بسطاء وسذج…، ويجب أن ينتبهوا من رؤية الشيطان وأتباعه لهم فيحذرون منهم ومن مكرهم ومخططاتهم الشريرة.