مصادر العلم
إن دراسة المصادر العلمية، وتحديدها، وتسليط الضّوء عليها، مسألة على درجة من الأهمية؛ لأنها تشكل الأرضية المعرفية التي يعتمد عليها الباحثون، أثناء بحثهم عن الحقيقة، وتشكل الأرضية المرجعية لهم؛ كما أنها تشكل القاسم المشترك بينهم؛ للانطلاق منها والبناء عليها والاحتكام إليها.
إن كلمة (مصدر) من (صَدَرَ) التي تدل على خُرُوج بعد ورود، (مقاييس اللُّغة).
فنقول: أصدرت دار النّشر كتاب العلم والمعرفة، بمعنى ورود مادَّة الكتاب إلى دار النّشر وبعد ذلك خُرُوجه منها.
قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}
(الزّلزلة 6).
وقال: {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} (القصص 23).
الملاحظ من فعل (صدر) في الواقع، أنه يكون بعد ورود الشّيء، ومن ثمَّ الخُرُوج منه، وبناء على ذلك، فالمصادر هي التي نَرِدُ إليها ثم نخرج منها بالمعلومات، ومن هذا الوجه؛ ينبغي استبعاد كل ما ليس له علاقة بالمصدر، نحو (الحس) فنحن لا نرد إليه ونخرج بالمعلومات منه، وإنَّما نرد به إلى المصدر، الذي هو الواقع ونخرج منه بالمعلومات، ومن ثمَّ، فالحس هو ناقل ووسيط للمعلومات، وليس مصدرًا، وكذلك العقل، فنحن نرد به إلى المصدر، ونخرج منه بالمعلومات، لهذا، فالعقل ليس مصدرًا، وإنَّما هو قوة إدراكية، تحاكمية، وميزان نزن به الأمور؛ فينبغي الانتباه إلى الفرق بين القول: (نرد إليه)، والقول: (نرد به).
أما العلم، فهو إدراك كيف بدأ الشّيء، وسار، وصار، وإدراك للقانون الذي يحكمه ضمن المنظومة التي ينتمي إليها ترتب عليه تحكم وتسخير وتنبؤ بحركته القادمة(1)، واستخدمنا كلمة (العلم) عوضًا عن كلمة (المعرفة) في العنوان (مصادر العلم)؛ لأنَّ المعرفة كلمة تدل على السّكون والطّمأنينة. (مقاييس اللُّغة).
وهذه المعنى لاحق للعلم، وليس قبله، وتأتي أيضًا، بعد الإدراك المشخص.
نحو قوله تعالى: {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} (يوسف 58).
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة 146).
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ}(البقرة 273).
إذًا، المعرفة هي السّكون والطّمأنينة، وتكون نتيجة العلم، أو الإدراك المشخص، والواجب على الإنسان هو طلب العلم، وليس المعرفة؛ لأنَّ المعرفة لا تُعطى، بل يحصل الإنسان عليها، نتيجة العلم وتفاعله معه.
فما هي مصادر العلم؟
من خلال عملية السّبر والتّقسيم، نلاحظ أن مصادر العلم أربعة، وهي:
الواقع، التّاريخ، الوحي الإلهي، التّفكير.
1 ـ الواقع
إن بين العقل والواقع، علاقةً ًجدلية ً، إذ كل منهما يؤثر في الآخر، أخذًا وعطاء، وذلك من خلال عملية التّفكير، فكيف تكون العلاقة بينهما؟
إن دارس العلاقة بين العقل والواقع، يجد أنَّ العلم بالواقع، والحكم عليه يتأتى من خلال إحساس الإنسان بهذا الواقع عن طريق حواسه الخمسة أو أحدها، والأدوات المعرفية التي يمتلكها، فينتقل هذا الإحساس إلى الدّماغ، ومن ثم يقوم الدّماغ برفع هذا الإحساس إلى الفؤاد، فيقوم الفؤاد بتحليل هذه المعلومات الجديدة، و تفكيكها، وتصنيفها، وتمييزها، محاولًا قراءتها من خلال استحضار معلومات قديمة مخزنة عنده – سابقًا- أو يستجلب معلومات جديدة من الواقع ليربطها بهذه المعلومات الجديدة، ويُركبها؛ حتَّى يستخدمها في التّفكير، ويقوم بتحصيل المعلومات من الواقع المعني بالدّراسة، سواء بصُورة مُباشرة منه، عن طريق التّجربة، أم من خلال الاستنتاج والاستقراء، أم من خلال التّعلم ممن سبقه في هذا المجال، فعلى كل الحالات يحصل على المعلومات من الواقع، ليعود إليه مفكرًا؛ فيكون الواقع مصدرًا للمعلومات بصُورته الكُلِّيَّة، وموضعًا للتّفكير بصُورته الجزئية.
قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} (العنكبوت 20).
وهذا أمر رباني تعليمي للسّير في الواقع والتّفكير فيه، فهو من هذا الوجه محل للتّفكير وموضع له، والعلم بكيفية الخلق، وسيرورته، وصيرورته من خلال السّير، وهو مصدر للمعلومات.
فالمعلومات من الواقع وإليه.
وهذه حقيقة، لا تقبل النّقاش؛ أو المراء، فالواقع سابق عن المعلومات في الوُجُود؛ لأنَّ المعلومات مُرتبطة به، فالأشياء موجودة قبل أسمائها، وهذا بالنسبة للإنسان، انظر قوله تعالى:
{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (1) (البقرة 31).
فالرب عرض الواقع على الملائكة، ثم طلب منهم معلومات عنه، فقالوا: لا علم لنا بهذا الواقع المعروض علينا؛ وهذا يُؤكِّد أسبقية الواقع في الوُجُود على المعلومات عنه، وهذا ما نستخدمه في عملية التّربية والتّعليم، نقوم بعرض الواقع أولًا، ثم نقوم بإعطاء معلومات عنه.
هذا جانب للمسألة،أما الجانب الآخر، فهو السّؤال من أين تأتي المعلومات؟
إن الإنسان يأتي بالمعلومات، ويحصل عليها من الواقع ذاته، وذلك من خلال السّير فيه، ودراسته، وملاحظته، وتجربته، وعبر التّراكم المعرفي، والتّرابط والتّكامل، وتواصل الخبرات بين المجتمعات.
فالعلم، كالمشعل ينتقل من أُمَّة إلى أخرى، لا يخمد ولا ينطفئ، ولا يتأثر بضعف حامله؛ لأنه سرعان ما تأتي أُمَّة قوية تحمله، وتتداوله الأمم فيما بينها، باتِّجاه الأمام والرّقي والتّطور.
2 ـ التّاريخ
إن التّاريخ هو السّجل الذي يحفظ الأحداث، على صعيد الآفاق والأنفس؛ فصفحات تاريخ الآفاق، هي الوُجُود الموضوعي خارج الذهن، نحو الآثار والمستحاثّات، وطبيعة الوُجُود ذاته، من حيث احتفاظ كل موجود بمعلوماته في بنيته، نحو طبقات الأرض، وبنية الشّجر، وما شابه ذلك، فكل منهم يُخبر عن تاريخه بلسان خاص ٍبه، فمن يكتشف ذلك اللسان؛ يستطيع أن يحصل على معلومات ذاتية عن تاريخ هذا الشّيء.
أما تاريخ الأنفس، فهو يعتمد على ما تركته المجتمعات السّابقة من آثار وحضارات، ويعتمد على التّراكم المعرفي بين الأجيال والمجتمعات من خلال نقل التجارب، والأحداث، والمعلومات من جيل إلى آخر، مستخدمين التّرابط، والتّكامل، والتّواصل بين المعلومات.
إن دراسة التّاريخ؛ دراسة ًعلمية تُؤدِّي ‑ عند الإنسان ‑ إلى تغيير واقعه، وصنعه من جديد، والتّطلع إلى امتلاك المستقبل، والتّحكم به، وتوجيهه حسب ما يحقق له الخير والمنفعة، بل والتّنبؤ بحركته، من خلال معرفة قوانين حصول الأحداث الاجتماعية، فيقوم ـ ابتداء ـ بالتّأثير في حركة التّاريخ، ويصير الإنسان هو الذي يصنع التّاريخ، ولا يسمح للأحداث أن تجعله مادَّة للتّاريخ تركمه في صفحاته، ودراسة التّاريخ هي التي تمنع الإنسان من أن يعيد الماضي، ويجتره، ويدفع ثمن أخطائه، مرة تلو أخرى، ويكرر نفسه باستمرار.
فالتّاريخ، هو مخبر معلوماتي ـ على صعيد الآفاق والأنفس ـ يُمَكِّنُ الإنسان من رؤية عواقب الأمور، التي تدفعه إلى دراسة كيفية حصول ذلك، فيصل إلى القوانين الاجتماعية، التي تحكم حركة التّاريخ، وبناء على تلك الرّؤية، والدّراسة، يستطيع أن يغير الحاضر، ويتحكم بالمستقبل، ويوجهه حسب ما يريد.
3 ـ الوحي الإلهي
المشاهد في الواقع أنه يوجد مصدر آخرَ للعلم، وهو مهم جدًّا، وقد أغفله علماء الغرب، ألا وهو الوحي الإلهي(1) الذي يمد المجتمعات الإنسانية بالعلم، نحو أصل خلق الإنسان جسمًا، ونفسًا، وفطرة، وروحًا، وعقلًا، وتفكيرًا، غير ذكر العلاقات التي تربط الإنسان بالحياة والكون، وبما قبل الحياة، وما بعد الحياة، وتنظيم أموره كفرد ومجتمع… الخ.
فالوحي الإلهي، مصدر معلوماتي أو تشريعي على صعيد الآفاق والأنفس لا يمكن أن يُستغنى عنه أبدًا، ولاسيما فيما يتعلق بالإنسان والمجتمع، ناهيك عن احتوائه على مادَّة ضخمة من أحداث مفصلية في التّاريخ الإنساني تصلح لأن تكون أساسًا للدّراسة الاجتماعية التّاريخية، والوُصُول من خلالها إلى قوانين كُلِّيَّة تحكم حركة التّاريخ الإنساني الاجتماعي؛ فينبغي أن يُعطى الوحي الإلهي حقه بين مصادر العلم، بل إن له الأولوية والقيادة مع مصدر الواقع،- تمامًا- لا يفترقان أبدًا.
فالواقع يؤازر مادَّة الوحي، والوحي الإلهي يؤازر الواقع، فما أُبهم وأُجْمِلَ في أحدهما، يقوم الآخر بتوضيحه، والعلاقة بينهما، علاقة جدلية تكاملية، وذلك يكون بعد إثبات صواب نسبة مادَّة الوحي إلى الله U ابتداء، وحفظ تلك المادَّة من التّحريف واستمرارها على هذا النّمط.
4 ـ التّفكير
التّفكيرـ بالمعنى الذي ذكرناه سابقًا ـ هو ارتقاء بالتّعقل إلى مستوى البحث والدّراسة، وتحصيل المعلومات من خلال سير الإنسان في الأرض، واستخدامه لما يصل إليه من معلومات في عملية استنبات معلومات جديدة منها، والتّنبؤ بمعلومات أخرى، إن ذلك كله جعل التّفكير مصدرًا من مصادر العلم؛ فيستطيع الإنسان من خلال استخدام المعلومات كتربة خصبة أن يستنبت معلومات تجريدية منها، ويرتقي بها، نحو العلوم الرّياضية، والتّنبؤ ببعض المعلومات الفيزيائية، وذلك من خلال استحضار المنظومة الكُلِّيَّة للأمر المعني بالتّفكير.
فالعقل هو دليل نرد به إلى المصادر، وليس هو مصدرًا بحد ذاته، بينما التّفكير نرد إليه؛ لنحصل على أفكار مستنبتة من أفكار سابقة، حصلنا عليها عن طريق الورود إلى المصادر الأخرى المذكورة.
(1) راجع تعريف العلم سابقًا من البحث ذاته.
(1) راجع تفسير هذه الآية في كتابي: القرءان بين اللُّغة والواقع.
(1) سوف نفرد بحثاً في دراسة ظاهرة الوحي، في كتاب آخر إن شاء الله.
اضف تعليقا