مفهوم كلمة الناس والإنسان في القرءان

                           مفهوم “الناس” و”الإنسان” في القرآن الكريم

     القرآن الكريم يتسم بالدقة والشمولية في استخدام الألفاظ، حيث تأتي الكلمات لتؤدي معاني دقيقة تلائم السياق المقصود. ومن بين الكلمات ذات الدلالات الثرية في النص القرآني “الناس” و”الإنسان”، وهما تعبيران عن الجماعة البشرية، لكن مع اختلافات في السياق والتوجيه.

    دلالة كلمة “الناس”

    كلمة “الناس” لها أصل لساني يعود إلى الجذر “نوَس”، الذي يشير إلى الحركة المستورة المنضمة، مثل حركة “نوّاس الساعة”. يتسم مفهوم “الناس” بالشمولية، حيث يشمل جميع أفراد البشر من ذكور وإناث، كبار وصغار، مؤمنين وكافرين، وأيضًا الإنس والجن في بعض السياقات.

في النص القرآني، “الناس” يُستخدم للإشارة إلى الجماعة البشرية بشتى اختلافاتها.

  • مثال: في قوله تعالى:
     } يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{(الحجرات: 13)،
    الخطاب هنا يتوجه إلى كافة البشر دون استثناء، بغض النظر عن اختلافاتهم الثقافية أو العرقية.
  • وفي سورة “الناس”، نجد الشمولية في مخاطبة كل البشر والجن بقول:
    } قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَٰهِ النَّاسِ،{ حيث تظهر الكلمة في إطار حماية الجميع من الشرور.

     دلالة كلمة “الإنسان”

     كلمة “الإنسان” تنحدر من الجذر “أنِس”، الذي يدل على الألفة، والظهور، وقَبول الآخر، مما يعكس طبيعة الإنسان الاجتماعية. “الإنسان” في القرآن يأتي كاسم جنس، يشمل الجميع، لكنه يوجه غالبًا إلى العقلاء الذين يتمتعون بقدرة على الفهم والإدراك.

  • مثال على الشمولية:
    خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ{ (الرحمن: 14)
    هذا يعبر عن خلق جميع أفراد الجنس البشري.
  • أما في سياقات الخطاب المباشر للعقلاء، مثل قوله تعالى:
          } يا  أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ{(الانفطار: 6)،

    الخطاب هنا للعقلاء القادرين على التفكر والتدبر.

    الفرق بين “الناس” و”الإنسان” في الخطاب

  1. “الناس”: شمولية الجماعة
    كلمة “الناس” تشمل البشر بكل اختلافاتهم، بما في ذلك من لا يمتلكون القدرة على الإدراك الكامل كالأطفال أو المرضى عقليًا. مثال:
    }يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ{ (المطففين: 6)،
    حيث يشمل جميع الأفراد بلا تمييز.
  2. “الإنسان”: خطاب موجه للعقلاء
    كلمة “الإنسان” غالبًا ما تستخدم لتوجيه الخطاب إلى ذوي الإدراك والقدرة على التفاعل مع النص.
    مثال:
    }إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا{ (المعارج: 19)،
    حيث يتحدث عن صفات متعلقة بالطبيعة النفسية للبشر الذين يدركون ويشعرون.

    التداخل بين المفهومين

    رغم التمييز بين “الناس” و”الإنسان”، هناك تداخل في بعض الآيات، حيث تُستخدم الكلمات لتشمل الجميع، مع تخصيص المعنى بسياق الآية.

  • مثلًا:
    }مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ… فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا {(المائدة: 32)،
    هنا “الناس” تشمل الجميع، لأن القتل والإحياء يطال أثرهما المجتمع بأكمله.

     الخلاصة

     كلمتا “الناس” و”الإنسان” في القرآن الكريم تُظهران دقة النص في التعبير عن الشمولية أو التخصيص.

  • “الناس” يشير إلى الجماعة البشرية بأكملها.
  • “الإنسان” يركز على الأفراد العقلاء في سياقات الخطاب الموجه.

تظهر هذه التفرقة بوضوح لتؤكد أن القرآن يخاطب جميع البشر شمولًا، لكنه يوجه الخطاب العقلي لمن يستطيع إدراك معناه والعمل به.