مفهوم المَهدي واستغلاله لتغييب عقل الشعوب
تعتبر فكرة المهدي المنتظر من أبرز المفاهيم التي تجذب اهتمام المسلمين عبر التاريخ، حيث يعتقد أن المهدي هو شخصية مستقبلية ستظهر في آخر الزمان لتحقق العدل وتنشر السلام. إلا أن هذه الفكرة ليست مقتصرة على المسلمين فقط؛ بل إن معتقدات مشابهة تظهر في ديانات وثقافات أخرى مثل المسيحية، اليهودية، والهندوسية. وفي هذا المقال، سنستعرض المواقف المختلفة للطوائف الإسلامية وغير الإسلامية حول مفهوم المهدي، ونتناول دور القوى الكبرى مثل بريطانيا، روسيا، وأمريكا في استغلال هذا المفهوم لتحقيق أهدافها السياسية. كما سنستعرض بعض الشخصيات التي ادعت المهدوية عبر التاريخ والمعاصرة.
المهدي في الإسلام
في الإسلام، يتمحور الاعتقاد في المهدي المنتظر حول كونه قائدًا إسلاميًا سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت ظلمًا. يعتبر هذا المفهوم أكثر شيوعًا لدى المسلمين الشيعة، حيث يعتقدون أن المهدي هو الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن العسكري، الذي غاب وسيعود في آخر الزمان. أما عند أهل السنة، فيؤمنون بظهور المهدي دون تحديد هويته أو نسبه بشكل دقيق كما في المعتقد الشيعي.
مواقف الطوائف الإسلامية
• الشيعة: كما ذكرنا، تعتقد الشيعة الإمامية بأن المهدي هو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، والذي سيعود ليقود الأمة الإسلامية. يعتبر هذا الاعتقاد من الركائز الأساسية في العقيدة الشيعية، وقد تم توظيفه في السياسة والدين على مر العصور.
• السنة: يختلف الموقف السني حول المهدي، فبينما يؤمنون بظهور المهدي في آخر الزمان، إلا أنهم لا يعطونه نفس المكانة التي يعطونها للأنبياء أو للأئمة كما في العقيدة الشيعية. كما أنهم لا يربطون المهدي بشخصية محددة، وإنما ينتظرون ظهوره كقائد صالح.
مواقف الديانات الأخرى
• اليهودية: ينتظر اليهود مجيء المسيح المخلص، والذي يؤمنون أنه سيقودهم إلى النصر والسلام. ويعتقد البعض أن هذا المفهوم مشابه لمفهوم المهدي عند المسلمين، حيث أن كليهما يتوقع ظهور قائد روحاني في نهاية الزمان.
• النصارى: لدى النصارى مفهوم مشابه يتجسد في عودة المسيح في آخر الزمان لتحقيق العدل. ويرى بعض الباحثين أن هناك تشابهًا بين هذا المفهوم وفكرة المهدي عند المسلمين.
• الهندوسية: في الهندوسية، ينتظر البعض ظهور “كالكي” وهو التجسد العاشر والأخير للإله فيشنو، والذي سيأتي في نهاية الزمان ليحارب الشر ويعيد النظام للعالم.
استغلال القوى الكبرى لمفهوم المهدي
قامت عدة قوى كبرى عبر التاريخ، مثل بريطانيا وروسيا والولايات المتحدة، باستغلال فكرة المهدي لتحقيق أهدافها السياسية في العالم الإسلامي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
• بريطانيا: استغلت بريطانيا فكرة المهدوية في القرن التاسع عشر عندما دعمت حركة أحمد غلام القادياني، الذي ادعى أنه المهدي والمسيح الموعود. كانت هذه الحركة تهدف إلى تفتيت العالم الإسلامي وزرع الانقسامات بين المسلمين.
• روسيا: دعمت روسيا في القرن التاسع عشر حركة “الباب” التي قادها ميرزا علي محمد الشيرازي، والتي أدت إلى نشوء البابية والبهائية. تم استخدام هذه الحركات كأداة للتلاعب بالعواطف الدينية والسياسية في الشرق الأوسط.
• الولايات المتحدة: وفي القرن العشرين، استمرت الولايات المتحدة في دعم شخصيات ادعت المهدوية لتحقيق أهداف سياسية. ومن الأمثلة على ذلك دعمها لبعض الحركات في الشرق الأوسط بهدف زعزعة الاستقرار والسيطرة على الموارد.
أشهر الشخصيات التي ادعت المهدوية
على مر التاريخ، ظهر العديد من الأشخاص الذين ادعوا المهدوية، ومن أبرزهم:
• أحمد غلام القادياني: مؤسس الجماعة الأحمدية في الهند، ادعى أنه المهدي والمسيح الموعود.
• محمد أحمد المهدي: قاد الثورة المهدية في السودان ضد الحكم العثماني في القرن التاسع عشر.
• أحمد الحسن اليماني: ادعى المهدوية في العراق في العصر الحديث وله أتباع كثر.
كتاب “المهدي في الإسلام” ودور الاستخبارات الدولية
في عام 1908، صدر كتاب بعنوان “The Mahdi in Islam” يتحدث عن تحالف بين المخابرات الأمريكية والبريطانية والروسية لصناعة مهدي للمسلمين لتحقيق أهدافهم. يزعم الكتاب أن هذه الأجهزة الاستخباراتية قامت بفبركة قصة المهدي وتمرير المشروع الغربي بطريقة تهدف إلى السيطرة على العالم الإسلامي.
أوضح الفقيه الدكتور “طه جابر العلواني” أن هذه الظاهرة تكررت في العالم الإسلامي وأن هناك حوالي 150 مهديًا ظهروا على مر التاريخ. كما أكد أن فكرة المهدي استغلت بشكل كبير من قبل القوى الكبرى لتوجيه الأحداث السياسية والدينية.
الخاتمة
تعتبر فكرة المهدي من المواضيع المثيرة للجدل في التاريخ الإسلامي، حيث تشكلت حولها العديد من المعتقدات والأساطير. وقد استغلتها القوى الكبرى في الماضي والحاضر لتحقيق مصالحها. من الضروري أن يكون المسلمون واعين لهذه الظاهرة وأن يعتمدوا على القرآن الكريم والمنطق في توجيه أفكارهم ومعتقداتهم، مع التنبه لما يحاك ضدهم من مؤامرات.