نقد اعتراضات الغزالي على الفلاسفة
في كتابه “تهافت الفلاسفة”، قدم أبو حامد الغزالي نقدًا حادًا لبعض آراء الفلاسفة، معتبرًا إياها مخالفة للعقيدة الإسلامية في ثلاث نقاط رئيسية: القول بقدم العالم، ونفي علم الله بالجزئيات، وإنكار بعث الأجساد.
في هذا المقال، سنتناول هذه الاعتراضات، ونوضح كيف أن تفسير الفلاسفة لهذه النقاط صحيحًا من حيث المضمون إذا فُهم بشكل دقيق، مع الاستناد إلى نصوص قرآنية وآراء علماء مثل ابن تيمية.
النقطة الأولى: القول بقدم العالم
الغزالي رأى أن القول بقدم العالم يتناقض مع عقيدة الخلق كما يقرها الإسلام. ومع ذلك، يجب توضيح أن الفلاسفة لم يقصدوا الأزلية بمعنى اللا بداية المطلقة. كلمة “قدم” عند الفلاسفة تعني وجود الحادث دون تعيين زمن له بالنسبة لنا، وليس بمعنى الأزلية كما فهمها الغزالي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الفهم الصحيح لعملية الخلق يجب أن يقوم على أن الله خلق الشيء من شيء كما هو واضح في الواقع وأقره القرءان، أما الشيء الأول فهو حادث ضرورة و وجد بعد أن لم يكن شيئًا. ومن ثم، ظهرت الأشياء الأخرى من هذا الشيء الأول بتفاعل توليدي زوجي ثنائي حركي. وهذا يتفق مع قول الله تعالى: “خلقتك من قبل ولم تك شيئًا” (مريم: 9)، حيث يشير القرآن إلى أن الله خلق الأشياء بعد أن لم تكن شيئًا ، وليس من “لا شيء” ، لأن اللاشيء هو لاشيء ولا ينسب له شيئا وفي حال تم النسبة له يصير شيئا وهذا تناقض منطقي.
قدّم ابن تيمية تفسيرًا لهذا المفهوم يوضح أن العالم قديم بمعنى وجوده دون تحديد زمن له بالنسبة لنا، ولكنه ليس أزليًا. فهو يقول: “إن الله سبحانه وتعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، وما زال الخلق كذلك إذا شاء، وهذا هو القدم.” هذا التفسير يعزز الفهم بأن العالم قديم بمعنى دون تعيين زمن بدايته وليس نفي حدوثه.
النقطة الثانية: علم الله بالجزئيات
انتقد الغزالي الفلاسفة لقولهم إن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، واعتبر هذا القول باطلًا ومناقضًا لعظمة الله وكمال علمه. ومع ذلك، فإن هذا الفهم لقصد الفلاسفة غير دقيق.
الصحيح هو أن الفلاسفة لم ينكروا علم الله بالجزئيات، بل قالوا بما هو معناه إنه يوجد محورين في الوجود: محور ثابت معلوم ومحور متغير احتمالي غير مُعين يحصل وفق المعطيات المستجدة ومنها السلوك الإنساني الحر. الاحتمالات التي لم تتعيّن بعد بمعنى لم تتشيأ، لا تدخل في العلم الإلهي لأنها لم تتحدد بعد في الواقع أو من قبل الفاعل. ولكن عندما تتعين وتحصل يكون ذلك وفق العلم الإلهي تحت السمع والبصر، مما يعني أن الله عليم بكل شيء ولا يخفى عليه شيء. هذا الفهم ينسجم مع قوله تعالى: “وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (البقرة: 29).
النقطة الثالثة: إنكار بعث الأجساد
اعتبر الغزالي أن الفلاسفة أنكروا بعث الأجساد، وهذا في نظره يُعد كفرًا. ولكن يجب التمييز بين الجسد المادي الحالي والنفس، والقيمة للنفس وليس للجسد، والفلاسفة لم ينكروا بعث النفوس، بل قالوا إن الأجساد الترابية الحالية، التي هي مادة مكثفة تخضع للقوانين الطبيعية الحالية، ستفنى في النهاية. وفي الآخرة، سيتم تغيير نظام الخلق إلى نظام جديد، كما يوضح القرآن الكريم في قوله تعالى: “يوم تُبدَّل الأرض غير الأرض والسموات” (إبراهيم: 48). النفوس في الآخرة ستنزل في أجساد جديدة تناسب النظام الأخروي. هذا الفهم لا يتعارض مع النصوص الشرعية بل ينسجم معها.
الخلاصة
بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن الفلاسفة لم يخطئوا في فهمهم للعالم أو للعلم الإلهي أو لبعث النفوس، وإنما كان هناك قصور في فهم الغزالي لتعبيراتهم وأفكارهم التي عبروا عنها بقصور لساني غير منضبط منطقيًا. وابن تيمية قدم تفسيرًا صحيحًا لمفهوم “القدم” بمعنى أن العالم قديم غين ولكنه حادث ضرورة دون أزلية. الفهم الصحيح لعلم الله يتضمن إدراك أن العلم الإلهي يشمل كل شيء، سواء كان في مرحلة الإمكان أو التحقيق. وأخيرًا، بعث النفوس في الآخرة سيكون في نظام جديد مختلف عن الجسد الترابي الفاني.
هذا المقال يوضح أن بعض الأفكار الفلسفية التي انتقدها الغزالي كانت في الواقع متسقة مع الفهم الإسلامي عندما تُفهم بشكل صحيح، ويظهر أن قصور الفهم أو التعبير قد أدى إلى سوء تفسير مقاصد الفلاسفة. وتحميل كلامهم ما يحتمل وإلزامهم بظاهر الكلام دون فهم المقصد.
اضف تعليقا