مفهوم الوحدانية والثالوث: مقارنة بين الإسلام والمسيحية
تعد مسألة وحدانية الله واحدة من أهم القضايا التي تختلف فيها المفاهيم الإسلامية والمسيحية. بينما يؤمن المسلمون بأن الله واحد أحد، غير مُركب، ولا يمكن تقسيمه إلى أقانيم أو شخصيات، يؤمن المسيحيون بمفهوم الثالوث الذي يجمع بين ثلاثة أقانيم متميزة (الأب، الابن، الروح القدس) في إله واحد. من خلال هذا المقال، سنتناول الفروقات الجوهرية بين مفهوم الله في الإسلام، خصوصًا في ضوء الأسماء الحسنى، ومفهوم الله في المسيحية من خلال الثالوث الفلسفي والمريمي. كما سنرد على الادعاء بأن القرآن يعرض الله ككائن “ميت أو معطل” مقارنة بالإنجيل حسب زعمهم.
1. الله أحد صمد في الإسلام
في الإسلام، يُعرف الله بأنه أحد، بمعنى أنه واحد لا يتجزأ، وصمد أي أنه الكائن الذي يعتمد عليه كل شيء، بينما هو لا يعتمد على أي شيء. يُبين هذا المفهوم في سورة الإخلاص:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) {
الله في الإسلام هو أزلي سرمدي، لا بداية له ولا نهاية، وهو مُغاير في وجوده لكل المخلوقات والحوادث. الله غير مُركب، بمعنى أنه ليس مُكونًا من أجزاء، بل هو كائن مطلق وصمد في ذاته وأسمائه. وليس كمثله شيء.
2. الثالوث المسيحي: الفلسفي والمريمي
أ. الثالوث الفلسفي
وفقًا لبعض اللاهوتيين المسيحيين، يُصور الثالوث الفلسفي بأن الله واحد في الجوهر ولكنه يظهر في ثلاثة أقانيم: الأب (الوجود)، الابن (العقل أو الكلمة)، والروح القدس (الحياة أو الروح). هذا المفهوم يحاول الجمع بين فكرة الوحدانية وتمايز الأقانيم. يقدم اللاهوتيون هذا المفهوم بتشبيهات تقريبية مثل الإنسان الذي يحتوي على نفس وجسد وروح، أو الشمس التي تتكون من الشمس، الضوء، والحرارة. ورغم أن الأقانيم لا تُفهم ككيانات منفصلة، إلا أنها تلعب أدوارًا متميزة.
ب. الثالوث المريمي
في بعض المذاهب المسيحية القديمة، خصوصًا في الغنوصية والمريميين، كان يُنظر إلى مريم كجزء من الثالوث مع الله والمسيح. الثالوث المريمي يتضمن فكرة أن الله تجسد في المسيح من خلال مريم، وبالتالي يؤدي إلى نوع من تعددية الذوات. هذا المفهوم يركز على التجسد المادي لله في المسيح، ويُنظر إلى مريم كوعاء لهذا التجسد ( والدة الله).
3. مقارنة بين الثالوث الفلسفي والأسماء الحسنى في الإسلام
أ. التعدد الوظيفي مقابل التعدد الذاتي
• في الثالوث الفلسفي، الأقانيم الثلاثة (الأب، الابن، الروح القدس) متميزة من حيث الأدوار. الأب هو الخالق، الابن هو المخلص المتجسد، والروح القدس هو الذي يقدس ويمنح الحياة. ورغم أنهم متحدون في الجوهر، إلا أن هناك نوعًا من التمايز الذاتي في الوظائف.
• في الإسلام، الله هو أحد صمد، وأسمائه مثل”الحي”،”القيوم” “العليم”، “الرحيم”، “الخالق” هي أسماء تعود إلى الذات الإلهية الواحدة. هذه الأسماء ليست “شخصيات” أو “أدوار” منفصلة، بل تعبر عن كمال الله المتكامل. والأسماء الإلهية تعمل بتكامل ولا يوجد تمايز في الأدوار كما هو الحال في الثالوث.
ب. هل الخلاف لفظي أو جوهري؟
بعض الباحثين يرون أن الخلاف بين الثالوث الفلسفي وتعدد الأسماء الحسنى في الإسلام هو خلاف لفظي أو اصطلاحي. لكن الحقيقة أن الفرق أعمق من ذلك:
• في الثالوث الفلسفي، الأقانيم لها وظائف متميزة ولا يُفهم أن الأب والابن والروح القدس يقومون بنفس الأفعال. هذا يشير إلى نوع من التعدد الذاتي.
• في الإسلام، الأسماء الحسنى مثل “الحي”،”القيوم” “العليم”، “الرحيم”، “الخالق” هي أسماء لله الواحد، وكلها تعبر عن ذاته دون تمايز في الأدوار. الله هو الحي القيوم العليم الحكيم الخالق القدير في كل الأوقات دون أي تقسيم أو تمييز داخلي.
4. القرآن والرد على فكرة الله “الميت أو المعطل”
يدعي بعضهم أن القرآن يقدم الله ككائن “ميت أو مُعَطَّل” غير متكلم ولا فعَّال، مقارنة بالله في الإنجيل الذي يوصف بأنه متكلم وفعَّال ويتفاعل مع خلقه. هذا الادعاء يتجاهل العديد من الآيات القرآنية التي تصف الله بأنه حي قيوم، عليم حكيم، سميع، بصير، وفعَّال.
أ. الله في القرآن: الحي القيوم
يصف القرآن الله بأنه الحي القيوم، أي الحي الدائم الذي لا يعتريه موت أو تغيير، وهو قائم بنفسه مستغن عن غيره ،وهو الذي يدبر أمر الكون وهو على كل شيء قدير.
}اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{ (البقرة: 255)
هذا المفهوم يعبر عن الله ككائن حي قدير فعَّال، لا يغيب عن تدبير شؤون الكون.
ب. الله عليم، سميع، بصير، متكلم
يوصف الله في القرآن بأنه عليم:
}إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ (النور: 64)
وأنه سميع بصير:
}إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا{ (النساء: 58)
هذه الصفات توضح أن الله يسمع ويرى ويتفاعل مع خلقه بشكل دائم.
أما مسألة الكلام، فإن الله يتكلم ويوحي إلى أنبيائه، كما ورد في القرآن:
}وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا{ (النساء: 164).
وهذا يثبت أن الله متكلم، ويتفاعل مع خلقه من خلال الوحي.
ج. الله الفعال في تدبير الخلق
القرآن يؤكد أن الله هو الذي يدبر أمر السماوات والأرض:
}يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ { (السجدة: 5)
الله ليس معزولًا أو معطلًا، بل هو فعَّال في كل تفاصيل الخلق، والقرآن يبين أن كل فعل يحدث في الكون هو بإرادة الله ومشيئته وقدرته.
5. نقض القرآن لفكرة الثالوث
ينقض القرآن بشكل واضح فكرة الثالوث، سواء كان الفلسفي أو المريمي. في قوله تعالى:
}لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ { (المائدة: 73)
يرفض القرآن فكرة تعدد الذوات في الإله الواحد. كما أنه ينتقد فكرة الثالوث المريمي:
}وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ{ (المائدة: 116)
مما يدل على رفض الإسلام لفكرة التجسد الإلهي أو تعدد الأقانيم.
الخلاصة
الفرق بين مفهوم الوحدانية في الإسلام والثالوث في المسيحية ليس مجرد خلاف لفظي أو اصطلاحي، بل هو اختلاف جوهري.
الثالوث الفلسفي قد يكون أقرب إلى مفهوم الوحدانية مقارنة بالثالوث المريمي، لكنه لا يزال يتضمن تمايزًا في الأدوار والوظائف، مما يشير إلى نوع من التركيب الذاتي. في المقابل، الله في الإسلام هو حي قيوم وأحد صمد، أسماؤه لا تتجزأ ولا تنفصل، وهي تعبر عن كمال الله الواحد. الله في القرآن حي قيوم، عليم حكيم، قدير وسميع، بصير، وفعَّال في خلقه وتدبير الكون، مما يثبت أنه كائن حي متكامل ومتفاعل دائمًا.
اضف تعليقا