الفرق بين “رسول من عند الله” و”رسول الله”و الكتاب يتلو وينطق ويهدي
تُستخدم المصطلحات في القرآن الكريم بدقة لتوضيح العلاقة بين الرسالة الإلهية والرسول الذي يحملها. تتجلى هذه الدقة في العبارات “رسول من عند الله” و”رسول من الله”، والتي تحتاج إلى تحليل لساني ومنطقي لفهم معناها في سياق النصوص القرآنية. عند استحضار النصوص المتعلقة بـ”البينة” و”الرسول”، يظهر أن “البينة” ليست شخص الرسول البشري، بل هي الرسالة ذاتها التي يحملها الرسول ويقوم بنقلها إلى الناس. في هذا المقال، سنقوم بإعادة ضبط وفهم معنى الآيات وتحليلها بناءً على النصوص القرآنية، مع التركيز على دلالة الرسالة كرسول، وتوضيح أن “البينة” هي الرسالة، وليست شخص الرسول، وأن الكتاب ينطق ويتلو ويقص. ويهدي.
– مفهوم رسول الله
تعني أن الرسول مرسل من قبل الله وتتعلق بحامل الرسالة
(واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون)
سورة الحجرات – سورة 49 – آية 7
(وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون اني رسول الله اليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) سورة الصف – سورة 61 – آية 5
(وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) سورة الصف – سورة 61 – آية 6
- مفهوم “رسول من عند الله” و”رسول من الله”
في الآية}وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ { (البقرة: 101)، نلاحظ أن التركيب “من عند الله” يشير إلى مصدر الرسالة التي جاءت من جهة إلهية. هذا المفهوم لا يعني أن الرسول نفسه هو الشخص البشري بشكل حتمي، بل يشير إلى الرسالة ذاتها التي تحتوي على الحقيقة المطلقة وتأتي من الله مباشرة لتصدق على ما كان من قبلها من رسالات.
وفي الآية }رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً { (البينة: 2)، يتضح أن الرسول يتلو “صحفًا مطهرة”. هنا “رسول” تأتي نكرة، وهو ما يفيد عدم تخصيصها لشخص معين. “رسول من الله” يشير إلى أن الرسالة (القرآن) ذاتها تقوم بالتلاوة، أي أنها تتوالى وتتبع بتدرج، وهذا يبين أن التركيز على مضمون الرسالة ذاتها وليس على شخص يحملها.
- دلالة كلمة “رسول” في سياق الرسالة
في القرآن، تشير كلمة “رسول” إلى الرسالة ذاتها وليس بالضرورة إلى الشخص البشري. كما في قوله تعالى } فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ (الشعراء: 16)، حيث تشير “رسول” إلى الرسالة التي يحملها موسى وهارون، وليس إلى شخصين منفصلين. يُعبر النص هنا عن الرسالة التي يحملها كلاهما بوصفها “رسولًا”، مما يعني أن الرسالة هي التي تؤدي دور الحامل للحق .
بينما نجد في نص آخر أتت كلمة رسول مثنى(رسولا) لتدل على الاثنين ( موسى وهارون) {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى }طه47،
وفي حالة الآية} رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً {(البينة: 2)، الرسول هنا ليس شخصًا بشريًا بل هو الرسالة ذاتها (القرآن)، التي تتلو الصحف المطهرة، أي تبيّن وتُظهر الحقائق الكونية والشرعية التي لا يمكن تحريفها. الرسالة هي التي تتلى وتنتقل تباعًا لتوضيح الحقائق والقيم.
- البينة كرسالة وليست شخص الرسول البشري
الآية الأولى في سورة البينة} لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ {(البينة: 1)، تشير إلى أن “البينة” ليست شخصًا بشريًا، بل هي الرسالة الواضحة التي تحمل الحجة والبراهين على الحق. لا يمكن لشخص أن يكون بينة في حد ذاته؛ البينة هي ما يقدمه الشخص من دليل قاطع يُظهر الحق.
“البينة” في هذا السياق هي الرسالة (القرآن) التي تُظهر الحق لأهل الكتاب والمشركين، وتزيل الشك والتباس الأمور. كما في الآية}رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً {(البينة: 2)، “الرسول” هنا هو القرآن الذي يتلو الصحف المطهرة، أي الوحي الإلهي الذي جاء ليبين الحجة البينة.
- “صحف مطهرة”: الرسالة الكونية وليس الصحف المادية
عندما نقرأ الآية}رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً{ (البينة: 2)، يتضح أن الصحف المذكورة هنا ليست صحفًا مخطوطة ورقية، بل هي الصحف الكونية التي تمثل الحقائق الإلهية في الكون. “صحفًا مطهرة” تعني أنها خالية من أي تحريف أو تدنيس، وهذا يعبر عن النظام الكوني الذي لا يمكن تغييره أو التلاعب به.
الصحف هنا هي امتداد للكون والنظام الإلهي الذي يحتوي على الحقائق الثابتة. كما يُفسر العلماء أن كلمة “صحف” تأتي من الجذر “صحف” الذي يعني الانبساط والسعة، مما يعني أن هذه الصحف تعبر عن الامتداد الكوني في الخلق والنظام.
- الرسول (الرسالة) يتلو ويهدي ويقص وينطق
الرسالة القرآنية، كما يظهر في النصوص، تقوم بالتلاوة والقص والهداية. في الآية: }إنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ{ (الإسراء: 9)، يُبين أن القرآن يهدي للحق. وفي الآية} إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ { (النمل: 76)، القرآن يقص الحقائق ويظهر ما اختلف فيه السابقون.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً }(رسولا يتلو عليكم ايات الله مبينات ليخرج الذين امنوا وعملوا الصالحات من الظلمات الى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ابدا قد احسن الله له رزقا) سورة الطلاق– آية 10-11
كلمة ( أنزل الله إليكم ذكرا) تعني الخطاب اللساني الذي يحمل الرسالة ، وكلمة ( رسولا يتلو عليكم) ترجع للذكر كبدل عنها بمعنى أنها تدل على الذكر ذاته فهو رسول ، ولا تعني الكائن الحي حامل الرسالة.
6- {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الجاثية29، والنطق لا يشترط له الصوت ، فهو فعل منطقي منضبط وفق نظام ، قد يكون في كتاب وقد يكون بواسطة الصوت.
- 7. توضيح الصحف الكونية و”كتب قيمة”
في الآية}فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ{ (البينة: 3)، تشير “الكتب القيمة” إلى الحقائق والنظم الإلهية الموجودة في الكون والتي تبيّن النظام الإلهي في كل شيء، مثل كتب السماء والأرض و البحار، الغابات، النجوم، والجبال. هذه الكتب مترابطة ومتكاملة، وتشكل النظام الكوني الذي هو جزء من الرسالة التي يتلوها القرآن.
الخلاصة
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن:
- “رسول من عند الله” يشير إلى رسالة مصدرها من عند الله، وهي القرآن الذي يتلو الحقائق الكونية.
- “رسول من الله” يشير إلى الإرسال المباشر للرسالة (القرآن) من الله.
- البينة هي الرسالة الواضحة (القرآن)، وليست شخص الرسول.
- رسول الله هو النبي حامل الرسالة ويتلوها
- صحف مطهرة هي الحقائق والنظم الكونية الثابتة والمطهرة من التحريف.
- الرسالة تقوم بالتلاوة، الهداية، والقص، وتحتوي على حقائق وقيم موجودة في الكون بشكل مترابط.
- الكتاب يهدي ويتلو ويقص وينطق.
الرسالة القرآنية لا ترتبط بمخطوطات مادية، بل هي ذكر صوتي نزل على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي تلاه على الناس دون أن يكون مرتبطًا بأي وثائق مخطوطة.
اضف تعليقا