مفهوم الرحمن والرحيم
تُعَدُّ أسماء الله الحسنى محورًا أساسيًا في فهم الأفعال الإلهية ودلالة النصوص في القرآن الكريم. ومن بين هذه الأسماء، يبرز اسما “الرحمن” و”الرحيم” اللذان يتكرران في النصوص القرآنية ويُشكّلان جزءًا من البسملة التي تُفتتح بها كل سورة تقريبًا. يهدف هذا المقال إلى توضيح الفرق بين “الرحمن” و”الرحيم” من منظور لساني وتدبري، مع التركيز على دلالات صيغة “فَعْلان” في “الرحمن” وعلاقتها بالثنائية والتوليد، وكيف أن “الرحمن” يرتبط بفعل يولد الأشياء من بعضها البعض، ويمكن أن يأتي في سياق العذاب، بخلاف “الرحيم” الذي يرتبط بسياق الرحمة المتعلقة بسلوك الناس.
الدلالات اللسانية لـ”الرحمن” و”الرحيم”
“الرحمن” وصيغة “فَعْلان”
يأتي اسم “الرحمن” على وزن “فَعْلان”، وهي صيغة تدل على الامتلاء والحركة والتجدد المستمر. هذه الصيغة تُشير إلى فعل ديناميكي يُولّد الأشياء ويُحركها، مثل وظيفة الرحم في الدفع والتوليد. بالتالي، “الرحمن” هو اسم عام يدل على قدرة الله في خلق الأشياء وتوليدها من بعضها البعض، وهو ما يتضمن الثنائيات في الكون مثل الليل والنهار، والذكر والأنثى، ولذلك أتت بكثرة في سياق الخلق والأمر مثل:
{تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى }{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى }طه4-6
“الرحيم” والرحمة
أما “الرحيم”، فهو اسم مشتق من “الرحمة” ويأتي على وزن “فعيل”، وهو صيغة تدل على الثبات والاستمرارية في الإسم. “الرحيم” يرتبط بسياق الرحمة التي تتعلق بسلوك الناس وأفعالهم، وهو يعكس رحمة الله بعباده المؤمنين ومغفرته لهم.
“الرحمن” في سياق العذاب والقدرة الإلهية
نظرًا لأن “الرحمن” يرتبط بفعل التوليد والدفع، فإنه يمكن أن يأتي في سياقات تتعلق بالعذاب والتدبير الكوني الشامل. على سبيل المثال، في سورة الفرقان، يقول الله تعالى:
“قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۚ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ”
(الأنبياء، الآية 42)
هنا، يُذكر “الرحمن” في سياق التحدي والقدرة على الحماية أو إنزال العذاب، مما يُظهر أن هذا الاسم يمكن أن يرتبط بسياقات القوة والجبروت.
{يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً }مريم45
“الرحيم” في سياق الرحمة المتعلقة بسلوك الناس
“الرحيم” يأتي دائمًا في سياق الرحمة والمغفرة المتعلقة بأفعال الناس وسلوكهم. قال تعالى:
“وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (البقرة، الآية 199)
هذا يدل على ارتباط “الرحيم” بالرحمة الإلهية التي تشمل المغفرة والتوبة والعناية والتخفيف، وهو ما يتناسب مع سلوك المؤمنين واحتياجهم إلى رحمة ربهم.
النصوص القرآنية الدالة على الفرق بين “الرحمن” و”الرحيم”
“{تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى }{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى }طه4-6
هنا، يُذكر “الرحمن” في سياق الخلق والقدرة والتدبير الكوني، مما يدل على الشمولية والتجدد في خلق الله.
• “إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا” (النساء، الآية 29)
يُبرز هذا النص رحمة الله المتعلقة بسلوك الناس وحاجتهم إلى رحمته ومغفرته.
الخاتمة
يتبين من التحليل اللساني والتدبر أنه يوجد فرق جوهري بين “الرحمن” و”الرحيم” في القرآن الكريم. “الرحمن” هو اسم عام على وزن “فَعْلان” يتعلق بالثنائية والتوليد والدفع والإيجاد، ويدل على فعل يولد الأشياء من بعضها البعض، ويمكن أن يأتي في سياقات العذاب والتدبير الكوني. أما “الرحيم”، فهو مرتبط بالرحمة المتعلقة بسلوك الناس، ولا يأتي إلا في سياق الرحمة والمغفرة. هذا الفهم يساعدنا على تقدير عمق ودقة التعبيرات القرآنية في وصف أسماء الله وأفعاله.
اضف تعليقا