الرضاعة بيولوجية ونفسية
الرضاعة هي عملية بيولوجية تُعرف بالتصاق الطفل بثدي الأم لتناول الحليب الطبيعي، وهي ظاهرة تتجلى في تكوين الرابطة بين الأم وطفلها منذ اللحظات الأولى من الحياة. لكن مفهوم الرضاعة يتجاوز الأبعاد البيولوجية، حيث يتضمن أيضاً جوانب نفسية وعاطفية تؤثر على نمو الطفل وتطوره العاطفي. في هذا المقال، سنناقش مفهوم الرضاعة البيولوجية والنفسية، وأحكامها الفقهية كما وردت في النص القرآني ومقاصد الدين، مع تسليط الضوء على حالة التبني والرضاعة النفسية التي قد تترتب على العلاقة العاطفية بين الأم بالتبني والطفل.
الرضاعة البيولوجية: التعريف والأحكام
الرضاعة البيولوجية هي العملية الطبيعية التي يتم فيها التقام الطفل لثدي الأم لمص الحليب، وهذا المعنى يستند إلى دلالة كلمة “رضع” التي تعني “ضرورة إلتقام الثدي” مباشرة. هذه الرضاعة تتطلب التفاعل الجسدي بين الأم والطفل، وهي الأساس الذي تقوم عليه أحكام الرضاعة في الشريعة الإسلامية.
قال تعالى في القرآن الكريم:
“وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ” (البقرة: 233).
هذه الآية تُشير بوضوح إلى أن الحد الأقصى للرضاعة هيمدة عامين كاملين لمن أراد إتمام الرضاعة، مع جواز فطم الرضيع قبل ذلك بمن يشاء. وبناءً على ذلك، فإن الرضاعة التي تمتد بعد العامين لا يُعتد بها شرعاً ولا يترتب عليها أحكام النكاح . هذا الحد الزمني المحدد في النص القرآني يُبيّن أن الرضاعة البيولوجية، التي تتضمن الاتصال الجسدي وتناول الحليب من ثدي الأم، هي التي يترتب عليها الأحكام الشرعية.
ومن المهم أن نشير إلى أن مصة أو مصتين أو عشرة لا تعتبر كافية لترتيب الأحكام الشرعية المتعلقة بالرضاعة، حيث يجب أن تكون الرضاعة متكررة وكافية لتكوين علاقة بيولوجية ونفسية قوية بين الأم والطفل طوال فترة الرضاعة حتى الفطام. هذه العلاقة تعتمد على تغذية الطفل وعلى نشأته في بيئة آمنة ومريحة توفر له الحب والعناية.
الرضاعة النفسية: بين الأم بالتبني والطفل
بالإضافة إلى الرضاعة البيولوجية، هناك ما يمكن تسميته بـ “الرضاعة النفسية”، التي تتعلق بتوفير العاطفة والشعور بالأمان من قبل الأم للطفل. في بعض الحالات، عندما يتم تبني طفل في سن الرضاعة، قد لا تتمكن الأم بالتبني من إرضاع الطفل بيولوجياً، لكنها تتعامل معه كما لو كان ابنها البيولوجي من خلال الحب، والضم، والتقبيل، واللمس. في هذه الحالة، يتلقى الطفل نوعاً من الرضاعة العاطفية، التي تنمو من خلال التفاعل اليومي والعلاقة العاطفية الوثيقة بينه وبين الأم بالتبني.
الرضاعة النفسية هنا تمثل جانباً مهماً في العلاقة بين الطفل والأم بالتبني، حيث يشعر الطفل بأنه محمي ومحبوب، ويطور علاقة نفسية تشبه الرضاعة البيولوجية. لكن، من الناحية الفقهية، لا تترتب على هذه الرضاعة النفسية الأحكام الشرعية المتعلقة بالتحريم، إلا فيما يتعلق بالأم بالتبني نفسها، حيث يُعتبر الطفل بمثابة ابن لها من الناحية النفسية، وبالتالي يُحرم عليها الزواج منه. أما بالنسبة لأولادها البيولوجيين، فلا يعتبر الطفل المتبني أخاً لهم بالمعنى الشرعي للرضاعة، لأن الرضاعة البيولوجية لم تحدث.
الخلاصة
الرضاعة في الإسلام تتعلق في المقام الأول بالرضاعة البيولوجية، وهي التي يترتب عليها الأحكام الفقهية المتعلقة بالتحريم. وقد نص القرآن الكريم على أن مدة الرضاعة المثالية التامة هي عامين، وأن أي رضاعة تحدث بعد هذا الحد لا تعتبر شرعاً ولا تؤثر في أحكام النكاح.
أما الرضاعة النفسية، التي تحدث من خلال العاطفة والحب بين الأم بالتبني والطفل، فلا تترتب عليها نفس الأحكام الشرعية، باستثناء تحريم الزواج بين الأم بالتبني والطفل المتبنى. ومع ذلك، هذه الرضاعة النفسية لها أهمية كبيرة في نمو الطفل العاطفي وتطوره النفسي، حيث توفر له بيئة مليئة بالحب والعناية، مما يساعد في بناء شخصيته بشكل متوازن ومحب.
اضف تعليقا