مفهوم الرب في اللسان العربي والاستخدام القرآني
مفهوم الرب في اللسان العربي ذو جذور عميقة ودلالات متعددة، ترتبط بمقام التدبير، الإدارة، والتربية. اللفظ في أصله اللساني يشير إلى من يتولى أمر شيء ما، يدبره، ويقوم على العناية به. هذه الدلالات تتسع لتشمل ما هو بشري أو كوني، وهو ما نجده في الاستخدامات القرآنية المتعددة لكلمة “الرب.”
الرب في الاستخدام النسبي والاكتسابي
القرآن الكريم استخدم لفظ “الرب” أحياناً للإشارة إلى مخلوقات مناط بها التدبير والإدارة، وهو ما نراه في قوله تعالى: ” اذكرني عند ربك” (يوسف: 42)، حيث أن هذا الاستخدام يشير إلى الحاكم أو السلطان الذي كان يوسف عليه السلام يعمل تحت سلطته. هذا الاستخدام يدل على مقام مكتسب نسبي يتغير بتغير الأدوار والمسؤوليات، حيث أن هذا الحاكم يمثل الرب في سياق تدبير شؤون الدولة.
الرب في الاستخدام الذاتي المطلق
على النقيض من ذلك، يأتي لفظ “الرب” كوصف لله تعالى في سياق آخر يعبر عن التدبير المطلق الذي لا يحده شيء، مثل قوله تعالى: “الحمد لله رب العالمين” (الفاتحة: 2). هنا، كلمة “رب” تأتي في سياق مطلق ودائم، بحيث لا يرتبط التدبير والإدارة بزمان أو مكان، فهو رب لكل شيء، قائم على خلقه وتدبيره. هذا الاستخدام يمثل جوهر مفهوم الربوبية المطلقة لله وحده، المنزه عن الحاجة أو التغير.
الرب ككائن مناط به التدبير بأمر الله
إلى جانب ذلك، يذكر القرآن أيضاً مفهوم الرب الذي مناط به التدبير بأمر من الله. هذا المفهوم يظهر من خلال الضمائر والسياق الذي تستخدم فيه كلمة “الرب”، حيث تُعزى مسؤوليات التدبير إلى كائنات أخرى من خلق الله. ومن القرائن التي تشير إلى أن “الرب” المذكور ليس هو الله عز وجل استخدام الضمائر الجماعية مثل: “نحن”، وأفعال مثل: “المجيء” و”الإتيان”، والتي تشير إلى الحركة والتغير، وهي صفات مرتبطة بالمخلوقات.
على سبيل المثال، في قوله تعالى: “وجاء ربك والملك صفا صفا” (الفجر: 22)، نجد أن فعل “جاء” يدل على حركة أو تغير في المكان، وهو ما يستدل به على أن الرب في هذا الموضع ليس الله تعالى بذاته، لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحركة. هذه القرينة تدل على أن هذا “الرب” هو كائن مخلوق مناط به التدبير بأمر الله.
الاستنتاج
مفهوم الرب في القرآن الكريم يتنوع بين استخدام نسبي مكتسب يشير إلى المخلوقات التي أوكل إليها الخالق مهمة التدبير في بعض الجوانب، وبين استخدام ذاتي مطلق يشير إلى الله عز وجل في تدبيره الكامل والشامل للعالمين، فليس كل رب هو الله ، بينما الله هو رب العالمين الخالق المدبر الأحد الصمد الحي القيوم.
اضف تعليقا