مفهوم الأولياء لله مقام اكتسابي

مفهوم الولي في النصوص القرآنية يشير إلى مقام عالٍ مرتبط بالإيمان والتقوى، يتم تحقيقه من خلال الالتزام والعمل الصالح. فهو مقام اكتسابي متاح لكل مؤمن يسعى إلى مرضاة الله والتقرب إليه. إلا أن بعض الفِرق مثل بعض أتباع الصوفية والشيعة قاموا بتضخيم هذا المفهوم، ومنحوا الولي صفات فوق بشرية كالعصمة أو القدرات الخارقة، وهو ما يتناقض مع التعاليم القرآنية ويؤدي إلى تضليل العقل وتغييب الوعي لتحقيق هيمنة روحية على عقول الناس.

التعريف القرآني واللساني لمصطلح “الولي

التعريف اللساني: اللفظ “ولي” في اللسان العربي يعود إلى الجذر و ل ي، والذي يعني القرب والدنو والاتصال الوثيق. يدل على الشخص الذي يتولى الله شأنه ويقترب من الله بالإيمان والطاعة، فهو الشخص الذي يتخذه الله ولياً ويمنحه الحماية والهداية.

التعريف القرآني: القرآن الكريم يعزز هذا الفهم اللساني، حيث يوضح أن الولي هو المؤمن المتقي الذي يسعى للعمل الصالح والالتزام بتعاليم الله. يقول الله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(يونس: 62-63).
هذه الآية تؤكد أن الولاية لله تأتي نتيجة للإيمان والتقوى، وليس بالمنح أو القدرات الفوقية.

الولي بين الله والشيطان: الاختيار والمسؤولية

الإنسان لديه الخيار بين أن يكون ولياً لله أو ولياً للشيطان. إذا التزم بالتقوى والعمل الصالح، فإنه يصير ولياً لله، وإذا انحرف عن طريق الحق واتبع الشيطان، فإنه يصير ولياً للشيطان.

يقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (النساء: 119).
هذه الآية توضح أن اتخاذ الشيطان ولياً يقود إلى الضلال والخسارة، مما يدل على أهمية السعي الدائم للتقرب إلى الله واكتساب مقام الولاية له من خلال الالتزام بالحق.

إساءة استخدام مفهوم الولي في العقائد الشيعية والصوفية

من الأخطاء الشائعة في بعض الفرق كالبعض من الشيعة والصوفية هو تضخيم مفهوم الولي وجعله فوق الصفات البشرية. في بعض العقائد الشيعية، يُمنح الأئمة العصمة، وهي فكرة تعني أن هؤلاء الأئمة لا يخطئون أو يذنبون، مما يجعلهم في مكانة أعلى حتى من البشر العاديين. هذا المفهوم لا يجد له أصلاً في النصوص القرآنية، بل يتناقض معها.

يقول الله تعالى: “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ” (الكهف: 110).
حتى النبي محمد ، وهو رسول الله، أكد في القرآن أنه بشر مثل سائر البشر، فكيف يمكن أن يُمنح غيره العصمة المطلقة؟ هذا التقديس المفرط للأولياء أو الأئمة يؤدي إلى تشويه الإيمان الحق وتضليل العقل.

وفي الصوفية، تُمنح بعض الشخصيات قدرات خارقة مثل التحكم في الأمور الغيبية أو المعرفة المطلقة، وهذه المبالغات تخرج عن مفهوم الولاية كما ورد في القرآن، حيث أن الولي هو إنسان يقترب من الله بتقواه وأعماله، ولا يملك قدرات تفوق الطبيعة البشرية.

تضليل العقل والهيمنة الروحية

إحدى النتائج الخطيرة لإساءة استخدام مفهوم الولي هو تغييب العقل وتضليل الناس، حيث يصير الأفراد معتمدين على “الأولياء” بشكل شبه كامل في توجيه حياتهم الروحية، معتقدين أنهم معصومون أو يمتلكون قدرات خارقة. هذا يؤدي إلى فقدان الفرد لاستقلاله العقلي والديني، ويجعله عرضة للهيمنة الروحية.

يقول الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ” (التوبة: 31)
تشير هذه الآية إلى خطورة منح البشر مكانة شبه إلهية، وهو ما يحدث عند تضخيم مقام الولي. هذا النوع من التقديس يؤدي إلى انحراف ديني وتغييب للعقل، ويمنح الأفراد سلطة روحية غير مشروعة.

الولي في القرآن: نموذج للتقوى والإيمان، لا للعصمة

الولي في القرآن ليس معصوماً من الخطأ، بل هو إنسان يسعى بجهده إلى القرب من الله، محاولاً التمسك بالتقوى والعمل الصالح. يقول الله تعالى: إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا “ (الأنفال: 29).
الآية توضح أن الله يمنح المؤمنين الفهم والتمييز من خلال التقوى، وليس من خلال العصمة المطلقة. الولاية لله ليست امتيازاً يرفع الشخص فوق مستوى البشر، بل هي مكانة يمكن أن يصل إليها أي مؤمن إذا التزم بالتقوى والعمل الصالح.

خاتمة: الرجوع إلى النصوص القرآنية لتصحيح المفاهيم

من خلال هذا التحليل يتضح أن الولي هو مقام اكتسابي مرتبط بالتقوى والعمل الصالح، وهو متاح لكل مؤمن يسعى بجد إلى تحقيقه. إساءة استخدام هذا المفهوم، كما يظهر في بعض الطوائف، يؤدي إلى تضليل الناس وتغييب عقولهم. المطلوب هو العودة إلى النصوص القرآنية لفهم المفاهيم الدينية بشكل صحيح، وتجنب المغالطات التي قد تؤدي إلى انحراف في الفكر والإيمان.

الولاية لله: اختيار مسؤولية وواجب

في النهاية، الولاية لله هي اختيار ومسؤولية تقع على عاتق كل مؤمن. على الإنسان أن يسعى لأن يكون ولياً لله من خلال الإيمان، العمل الصالح، والتقوى، بعيداً عن الخرافات التي ترفع الأولياء إلى مراتب فوق بشرية أو تعطيهم عصمة لا تنتمي لمقامهم الحقيقي في النص القرآني.