دراسة الأحرف المقطعة في القرآن الكريم

تعد الأحرف المقطعة التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم من الظواهر اللسانية التي أثارت الكثير من التساؤلات والدراسات على مر العصور. حاول الباحثون والمفسرون تفسير معاني هذه الأحرف واستنباط دلالاتها، وقد اختلفت آراؤهم بشكل كبير ومعظمها يعتمد على الانحيازات العقدية والمذهبية، وادعوا أن فيها أسرار وعجائب.

والسائد في جمهور علماء المسلمين سابقًا ولاحقاً، وتتابع في الأمة كتلاوة صوتية لهذه الأحرف هي التي ترى أن هذه الأحرف ليست كلمات ذات معنى ثقافي أو دلالي بحد ذاتها، بل هي مقاطع صوتية عربية تلفظ بصورة منفردة، ولها مفهوم فيزيائي وليس ثقافياً. في هذا المقال، سنستعرض هذه النظرية، ونناقش أهم النقاط التي تدعمها مع تفنيد التفسيرات الأخرى، خاصة تلك التي تعتمد على التأويلات العرفانية أو الإسناد إلى لهجات أخرى كالسريانية.

    الأحرف المقطعة: مقاطع صوتية وليس كلمات

تبدأ 29 سورة من القرآن الكريم بأحرف مقطعة، مثل (ألم، كهيعص، طسم، حم). لا تتلى هذه الأحرف كما تتلى الكلمات العادية، بل تُنطق مقطعاً مقطعاً، مثال ذلك: (ألِفْ لامْ ميمْ) بدلاً من نطقها “ألم” ككلمة واحدة. يُعرف هذا النطق باسم التلاوة المقطعة، وهي طريقة تتوافق مع كون هذه الأحرف مقاطع صوتية لا تحمل بحد ذاتها معنى لسانياً كاملاً، وإنما تؤدي دوراً صوتياً عربياً بحتاً.

تُعد هذه النظرية أن الحروف المقطعة تعبر عن الأصوات العربية في شكلها النقي والمجرد، أي أن لكل حرف منها صوت مميز يمثل جزءاً من الأبجدية العربية المستخدمة في القرآن الكريم. وهذا الاستخدام يساعد في الحفاظ على الأبعاد الصوتية للأبجدية العربية ضمن السياق القرآني. فهذه الأحرف الصوتية ليست كلمات أو عبارات، بل هي رموز صوتية لها مفهوم فيزيائي يرتبط بالنطق وتداول الصوت العربي في تلاوة القرآن.

      رفض فكرة تجميع الأحرف لصنع جمل

إن تجميع هذه الأحرف المقطعة لاستخلاص جمل ذات معنى محدد هو أسلوب غير علمي في الدراسة اللسانية. بعض الباحثين، مثل أولئك الذين يدعون أن الأحرف المقطعة تشكل جملة مثل “نص حكيم قاطع له سر” أو “صراط علي حق نمسكه”، قاموا بترتيب الأحرف وفق تصوراتهم الخاصة لخلق دلالات محددة. لكن هذا المنهج لا يعتمد على أي أساس علمي أو منطقي، إذ أنه يعتمد على إعادة ترتيب الأصوات وفق رغبات الباحثين الشخصية، مما يفتح المجال لتعدد التأويلات المتناقضة، دون أن يقدم دليلاً قاطعاً على صحة هذه الترتيبات.

مثل هذه التأويلات العرفانية لا تستند إلى نصوص قرآنية أو منطق ومنهج علمي، بل تعتمد على الفرضيات الذاتية، وهي بذلك تعكس حالة عرفانية شخصية للباحث أكثر من كونها تفسيراً معتمداً أو دليلاً علمياً. وعليه، يجب رفض هذه التأويلات التي تعطي للأحرف المقطعة معاني لا دليل عليها.

    الأحرف المقطعة هي عربية وليست سريانية

من الآراء الأخرى التي طرحت هي أن هذه الأحرف قد تكون مستعارة من اللهجة السريانية أو تمثل رموزاً لسانية فيها ذات دلالات خفية. لكن هذا الرأي يفتقد إلى الدليل اللساني والتاريخي. والأحرف المقطعة هي أصوات عربية أصيلة، ولها صلة وثيقة بالبنية الصوتية للسان العربي. واستخدم القرآن الكريم 28 حرفاً صوتياً عربياً، وشمل هذه الأحرف في خطابه القرآني ليحفظها من التحريف والاندثار.

التفسير القائل بأن هذه الأحرف مستعارة من السريانية يتجاهل الواقع التاريخي واللساني للسان العربي الذي هو غني بذاته ومكتمل العناصر قبل نزول القرءان، وكان قادر على التعبير عن جميع المعاني الروحية والفكرية المطلوبة في النص القرآني. لذا، لا يمكن قبول هذه الفرضية التي تدعي أن الأحرف المقطعة تحمل دلالات سريانية، حيث إن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين. غير أن اللهجة السريانية والعبرية والطنعانية هي لهجات عربية فمن الطبيعي أن يوجد تداخل وتأثر بالأصوات بينها  وبالكلمات وصيغتها ولكن انفرد الخطاب القرءاني بأنه نزل بلسان عربي مبين، بمعنى أنه استخدم الأصوات التي تحقق بها صفة العربية وكذلك الكلمات وركب الجمل  بشكل منطقي.

     خاتمة

في النهاية، تبقى الأحرف المقطعة في القرآن الكريم مقاطع صوتية بحتة، لها دلالاتها الصوتية في اللسان العربي ولا تحمل معاني ثقافية بحد ذاتها إلا إذا تم تركيبها بكلمة وفي جملٍ ذات سياق. تجميع هذه الأحرف لاستخراج جمل ذات دلالة هو أمر يفتقر إلى الدليل، ويعكس تصورات ذاتية للباحثين دون أساس علمي متين. كما أن القول بأنها مستعارة من السريانية هو رأي ضعيف لا سند له في الدراسة اللسانية أو التاريخية. وتبقى هذه الأحرف جزءاً من النص الصوتي في القرآن الكريم، وتجسيداً لثراء اللسان العربي في تلاوته الشفوية.