قيمة الكائن ليس بحجمه وإنما بوعيه وفاعليته
في أحد الأيام، في مقهى هادئ يعج بأحاديث المارة وهمسات النقاشات المختلفة، جلس شخصان على طاولة بجانب نافذة تطل على شارع مزدحم بالحياة. كان أحدهما رجلٌ يميل إلى التفكر الفلسفي في كل شيء، يُعرف بين أصدقائه بكونه ربوبي الفكر، بينما كان الآخر محاورًا هادئًا محبًا للتأمل وقادرًا على استيعاب الأفكار المختلفة بهدوء وروية.
ابتسم الربوبي قليلاً، وألقى بسؤاله الشهير بينما يتأمل كوب القهوة في يده: “على افتراض أن هناك خالقًا عظيمًا للكون، أليس من المستحيل أن يكون هذا الكائن الفائق القدرة مهتمًا بالتواصل مع البشر؟ نحن بالنسبة له لا شيء، مجرد حشرات صغيرة في محيط الوجود. إنه أعظم وأكبر من أن يُعنى بنا، أليس كذلك؟”
أطرق المحاور برهة، وكأنّه يتذوق الكلمات قبل أن يردّ. ثم قال: “إن رأيك مثير، لكن دعني أوضح فكرة من زاوية مختلفة.
أولاً: أن لا أعد الإنسان حشرة وتافه لا قيمة له!
ثانياً:هل سبق أن فكرت أن قيمة الكائنات لا تُقاس بالحجم أو المكانة؟ قد يكون هذا هو قياسنا كبشر، ولكن في نطاق أعمق، أعتقد أن القيمة تأتي من أشياء أخرى، مثل العقل والحرية والوعي.”
توقف الربوبي قليلاً، فاستغل المحاور الفرصة ليواصل: “تخيل أننا نقيس كل شيء بالحجم وحده، فهل ستكون الأشياء الصغيرة بلا معنى؟ الأرض، على سبيل المثال، لا تُقارن بضخامة الشمس، لكنها موطننا، مليئة بالحياة والروح. ووجودنا كبشر ليس مجرد عبث أو تفاهة؛ نحن نملك قدرة على التفكير والإبداع والمعرفة، وهذه أشياء عظيمة تستحق أن تكون موضع اهتمام حتى من خالق عظيم.”
ابتسم الربوبي بنصف اقتناع، لكن المحاور أكمل بحماسة: “ثم فكر في الأمر بهذه الطريقة: أليس من الجمال والرحمة أن يكون الكائن الأعظم قريبًا من مخلوقاته، حتى وإن كانت صغيرة؟ العظمة الحقيقية تتجلى في القدرة على الجمع بين العظمة واللطف، بين القوة والاهتمام. أليس ذلك أكثر إلهامًا مما تتخيل؟”
ساد الصمت بينهما للحظات، وكأن الفكرة بدأت تجد طريقها إلى عقل الربوبي. ثم قال بابتسامة هادئة: “ربما لم أنظر إلى الأمر من هذا المنظور من قبل. يبدو أن لدي ما أفكر فيه هذه الليلة.”
وانتهى الحوار بابتسامة ودية بين الطرفين، حيث شعر كل منهما أن النقاش لم يكن مجرد تبادل للأفكار، بل رحلة نحو فهم أعمق للعالم ومكانة الإنسان فيه.
اضف تعليقا