نسيج الزمكان هو “رَق منشور”
الكون بمجراته وكواكبه وذراته يلفه نسيج معقد وغير مرئي يتحرك فيه كل شيء، ويثير هذا الواقع الكوني أسئلة فلسفية وعلمية حول ماهية الزمكان وما إذا كان يوجد وسط مادي خفي يؤثر على حركة الأجرام السماوية. هذه التساؤلات تدفعنا إلى التأمل في النصوص القرآنية ، وتفتح بابًا لتفسيرٍ حديث يربط بين العلم والفلسفة والقرءان.
- توسع الكون في الفضاء والزمان
تشير الاكتشافات العلمية إلى أن الكون في حالة توسع مستمر. هذا ما أثبته الفيزيائيون عند دراستهم للمجرات التي تبتعد عن بعضها البعض بسرعات هائلة. وقد أشارت الآية القرآنية: “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” (الذاريات: 47) إلى توسع السماء، مما يعكس توافقًا بين الرؤية القرآنية والعلمية في الإشارة إلى الكون كهيكل دائم الامتداد.
- حركة الكواكب والأجرام السماوية
الأرض والكواكب الأخرى تدور حول نفسها وحول الشمس في مدارات حلزونية، مكونة منظومة متكاملة تتحرك في الفضاء بسرعة فائقة. هذه السرعة الكبيرة تذكرنا بتشبيه أحد العلماء بأن الأرض تتحرك كصاروخ، مما يعكس تعقيد الحركات الكونية. القرآن يشير إلى هذا المشهد الكوني بدقة: “وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ” (الأنبياء: 33)، موضحًا أن كل جرم سماوي يتحرك في مساره ضمن منظومة دقيقة.
- الوسط الغازي المحيط بالأرض
الأرض محاطة بغلاف جوي يتكون من غازات أساسية مثل النتروجين والاوكسجين..، ويشكل هذا الوسط الغازي غلافًا يحيط بالكوكب ويؤمن الحياة. رغم أن الهواء غير مرئي ولا نشعر به، فهو يملأ الفضاء المحيط بنا ولا يعيق حركتنا. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تتحرك المجرات والكواكب في وسط مشابه، أم في فراغ تام؟
المادة المظلمة والطاقة المظلمة: المفهوم الحديث للوسط الكوني
من اللافت للنظر أن الكون مليء بكيانات غير مرئية تُعرف بالمادة المظلمة والطاقة المظلمة، اللتين تشكلان أكثر من 95% من محتوى الكون. رغم أننا لا نستطيع رصدهما مباشرة، نلاحظ تأثيراتهما في حركة المجرات وتسارع تمدد الكون. المادة المظلمة تبطئ دوران المجرات، بينما تدفع الطاقة المظلمة الكون إلى التوسع المتسارع، مما يشير إلى أن هناك وسطًا كونيًا غير مرئي يتفاعل مع الأجسام السماوية.
التفسير القرآني للزمكان: “الرق المنشور”
يقدم القرآن إشارات قد تثير تفكيرنا في فهم بنية الكون. في سورة الطور، يقول الله تعالى: “وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ” (الطور: 1-3). نلقي هنا نظرة لسانية على المصطلحات:
- الطور: يشير إلى الدفع الممتد في الزمان والمكان. بشكل مكرر ومستمر
- الكتاب المسطور: يدل على نظام متكامل ومتحرك باستمرار.
- الرق المنشور: يمكن فهمه كوسط رقيق وليّن يملأ الكون، تتحرك فيه الكواكب والمجرات بانسيابية.
تشير هذه الكلمات إلى نظام كوني متشابك يتحرك في نسيج معقد وخفيف، أشبه بالقماش الرقيق المنتشر. إذا اعتبرنا الزمكان “رقًّا منشورًا”، يصير من المعقول تصور الكون كبنية ممتدة تتحرك فيها المجرات والنجوم دون أن تشعر بمادة معينة، كما تتحرك الكائنات الحية في الغلاف الجوي أو الأسماك في الماء.
الزمكان كنسيج موجي
وفقًا لنظرية النسبية العامة لأينشتاين، الكتل الكبيرة تسبب انحناءات في نسيج الزمكان، وهذه الانحناءات هي التي تسبب ما نشعر به كقوة جاذبية. الفضاء ليس فارغًا تمامًا كما افترض العلماء سابقًا، بل يحتوي على كيانات غير مرئية مثل المادة والطاقة المظلمة. إذا طبقنا المفاهيم القرآنية، يمكن فهم الزمكان كبنية خفية أو “رق منشور” تتحرك فيه الأجرام والموجات.
المادة المظلمة كدليل على وجود الوسط
ما نراه اليوم من تأثيرات المادة والطاقة المظلمة يعزز رؤية أن الكون مليء بوسط خفي، كما تشير النصوص القرآنية إلى نظام مترابط ودقيق. تمامًا كما يعيش البشر في غلاف جوي غير مرئي، كذلك تتحرك النجوم والمجرات في “الرق المنشور” الذي قد يكون صورة معاصرة للمادة المظلمة.
خاتمة: العلم والفلسفة في تفسير بنية الكون
إن الزمكان ليس مجرد فراغ، بل هو نسيج معقد تتفاعل فيه القوى والجاذبية والمادة المظلمة. الربط بين التصورات العلمية والآيات القرآنية يفتح آفاقًا جديدة لفهم بنية الكون، مما يجعلنا نتساءل: هل ما نعتبره فراغًا هو في الحقيقة وسط مادي خفي؟ قد يكون الجواب في المزيد من البحث العلمي، الذي سيتواصل لفك ألغاز المادة المظلمة والزمكان، وربما يكشف لنا يومًا ما عن أبعاد جديدة للرق المنشور الذي يحيط بنا.
أسفل النموذج
اضف تعليقا