هل الجبل بالضرورة هو كتلة مادية

  عندما يأتي نص ويذكر بعض الأفعال التي تتعلق بكائن غير عاقل يكون المعنى خطاب سنني مثل  الوحي للنحل: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ }النحل68، وعندما يتعلق بكائن عاقل فهو خطاب تكليفي، وعندما يأتي نص يذكر أفعال واعية في سياقه ويستخدم صفات أو كلمات مستخدمة غالباً لغير العاقل مثل النملة و الهدهد، يكون المعنى أن هذه الكائنات عاقلة من الناس وليست بهائماً.

التحليل اللساني لكلمة “جبل”

  • الجذر “جبل”: يتكون من الحروف: الجيم (ج)، الباء (ب)، واللام (ل).
    • الجيم (ج): تشير إلى الجهد والقوة.
    • الباء (ب): تدل على الجمع والضم. المستقر
    • اللام (ل) : تدل على حركة لازمة ثقيلة

دلالات القواميس لكلمة “جبل”

  1. لسان العرب:
    • “والجبل: كلُّ وتدٍ من أوتاد الأرض إذا عَظُم وطال. ونقل قول الفراء: الجبلُ سيدُ القوم وعالِمهم.”. ( لسان العرب – مادة جبل)
  2. معجم مقاييس اللغة:
    • “الجيم والباء واللام أصلٌ واحدٌ يدلُّ على جَمْعٍ واستِمْساكٍ وقُوَّةٍ. من ذلك الجَبَلُ، وهو المَوضِعُ المُرتَفِعُ من الأَرضِ. ويُقالُ: فلانٌ جَبَلٌ من جِبالِ العِلمِ” (معجم مقاييس اللغة – مادة جبل).

الاستنتاج اللساني

  • كلمة “جبل” لا تقتصر على المعنى الجغرافي، بل تمتد لتشمل الإنسان الذي يتمتع بصفات الثبات والقوة والعلم.
  • لا علاقة للارتفاع في المعنى الجوهري للجبل، بل التركيز على الثبات والعظمة.

     تحليل بعض النصوص القرآنية المرتبطة بكلمة “الجبل”

النص الأول: “يا جبال أوبي معه والطير” (سبأ: 10)

  1. النص القرآني:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)

  1. التحليل:
    • الخطاب هنا موجه إلى “الجبال” و”الطير” للتسبيح مع داوود. إذا أخذنا “الجبال” بمعنى الأشخاص العظام أو العلماء (وفق القواميس)، فهذا يشير إلى كائنات واعية تُشارك في التأويب، وهو فعل يتطلب الوعي.
    • التأويب (التسبيح أو التوبة والرجوع) لا يمكن أن يكون إلا من كائن يمتلك الإدراك، مما يدعم فهم “الجبال” هنا كإشارة إلى رجال عظام أو علماء.

النص الثاني: “لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله” (الحشر: 21)

  1. النص القرآني:

(لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)

  1. التحليل:
    • الجبل في هذا النص يُفترض أن يخشع ويتصدع من خشية الله عند نزول القرآن عليه.
    • إذا أخذنا كلمة “الجبل” بمعنى الإنسان العظيم أو الحكيم (وفق القواميس)، فإن هذا يُظهر مدى تأثير القرآن لو نزل على عالم وحكيم.
    • الخشوع والخشية من صفات الكائن الواعي المكلف، مما يجعل الإنسان العالم أو الحكيم أكثر انسجامًا مع هذا السياق.

“النص الثالث : “وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ” (الشعراء: 184)

التحليل:
  • كلمة “الجِبِلَّة” مأخوذة من الجذر “جبل”، وتدل على الجماعة والخلق والطبيعة.
  • لسان العرب يذكر: “والجِبِلَّة: الخَلْقُ والجِبِلَّةُ: الجَماعةُ من الناسِ”.
  • النص يشير إلى مجموعات البشر السابقين (الأولين)، مما يدل على أن الجذر “جبل” يرتبط بالبشر من حيث طبيعتهم وثباتهم ككائنات واعية.
  • النص يتحدث عن بشر واعين مكلفين بالتقوى، مما يُظهر انسجام المعنى مع منظومة القرآن.

       العلاقة بين الخطاب الواعي والوعي

  • الخطاب القرآني موجّه إلى الكائنات العاقلة المكلفة.
  • الجبل، بصفته دلالة على الإنسان العظيم أو العالم، يتوافق مع منظومة القرآن التي تربط الخشوع والخشية بالإدراك والوعي.
  • النصوص القرآنية تعزز أن الكائن محل الخطاب (الجبل) يمتلك صفة الإدراك، ما يتسق مع تفسير الجبل كإنسان عظيم أو عالم.

         الخلاصة

  • كلمة “جبل” في القرآن قد تشير إلى الكتلة المادية العظيمة المعروفة، أو إلى الإنسان العظيم في علمه أو حلمه، وليس بالضرورة إلى كيان جغرافي، والسياق ومحل تعلق النص هو الذي يحدد المعنى.
  • النصوص التي تربط “الجبل” بالتأويب أو الخشوع تشير إلى أن المقصود هو كائن واعٍ قادر على الاستجابة للأمر الإلهي.
  • هذا الفهم يُبرز اتساق النصوص القرآنية مع منظومة الخطاب الواعي، التي لا تكون إلا لكائن يدرك معنى الخطاب الإلهي.