الفرق بين القول بالأفواه وبالألسن

النص الأول: “يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ”(آل عمران: 167)

السياق:

الآية تأتي في سياق الحديث عن المنافقين في معركة أُحد. هؤلاء كانوا يظهرون أنفسهم كمؤمنين بقوة وثقة أمام المسلمين، ولكن في الحقيقة، كانوا يخادعون.

تتحدث الآيات التي سبقت هذه الآية عن المنافقين الذين تخلوا عن القتال في لحظة حاسمة، واستخدموا الكلام لإخفاء نفاقهم، مع أن قلوبهم كانت خالية من الإيمان الحقيقي.

الآيات من سورة آل عمران (164-167) تقول:

“لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ”.

التحليل:

  • “يقولون بأفواههم”: المنافقون في هذه الحالة كانوا يقولون ما لا يؤمنون به بكل قوة وثقة. استخدام الأفواه يشير إلى أن الكلام يخرج بشكل صريح وعلني، لكن الحقيقة داخل قلوبهم مختلفة تمامًا. الأفواه هنا رمز للقول البارز القوي الذي يبدو ظاهريًا مليئًا بالثقة، ولكنه في الحقيقة خالٍ من أي صدق داخلي.
  • السياق: الآيات تتحدث عن المنافقين الذين لم يشاركوا في الجهاد مع المسلمين، وبدلاً من الاعتراف بالحقيقة، كانوا يقولون بملء أفواههم أعذارًا وادعاءات كاذبة. هؤلاء كانوا أقرب إلى الكفر في قلوبهم، ومع ذلك يتحدثون بجرأة وكأنهم يؤمنون بما يقولون.

النص الثاني: “يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ”(الفتح: 11)

السياق:

هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن الأعراب الذين تخلفوا عن المشاركة في غزوة الحديبية. عندما عاد المسلمون منتصرين، بدأ هؤلاء الأعراب يقدمون أعذارهم، قائلين إنهم كانوا منشغلين بأموالهم وأهاليهم، ويطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم. ولكن الله يكشف أن ما كانوا يقولونه بألسنتهم ليس حقيقيًا، بل كان مجرد تبرير ضعيف للنفاق.

الآيات من سورة الفتح (9-11) تقول:

“لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا”.

التحليل:

  • “يقولون بألسنتهم”: الأعراب كانوا يقدمون أعذارًا، لكنهم لم يكونوا يقولون ذلك بقوة أو جرأة، بل كانوا ينطقون الأعذار بألسنتهم بشكل ضعيف ودون قناعة حقيقية. اللسان هنا يشير إلى النطق السطحي، حيث أن الكلام يُقال، لكن بدون القوة أو الثقة التي كانت لدى المنافقين في الآية السابقة.
  • السياق: الأعراب كانوا يقدمون اعتذارات ضعيفة بعد انتهاء الغزوة، وكانت هذه الأعذار مجرد نطق بلسانهم، دون أن يكون هناك صدق أو قوة داخلية في قلوبهم.

الفرق بين الآيتين:

  1. “يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ”:
    • القوة والثقة في الكلام: المنافقون في هذه الآية يتحدثون بكل ثقة وقوة، يستخدمون أفواههم لتقديم أعذارهم وكأنهم مقتنعون بما يقولون، رغم أن قلوبهم مليئة بالكفر والنفاق.
    • المعنى: القول هنا قوي وظاهري، ولكنه زائف تمامًا ويعكس نفاقًا داخليًا كبيرًا.
  2. “يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ”:
    • الضعف في الكلام: الأعراب في هذه الآية يقدمون أعذارهم بألسنتهم فقط، بدون قوة أو اقتناع داخلي. كلامهم يبدو خجولًا أو ضعيفًا، ويفتقر إلى الثقة التي كانت موجودة عند المنافقين في الآية الأولى.
    • المعنى: القول هنا مجرد نطق بالألسنة، لكنه ضعيف وغير مؤثر، ولا يعكس اقتناعًا داخليًا بما يقولون.

الخلاصة:

الفرق بين الآيتين يكمن في قوة الكلام وثقته. في الآية الأولى، المنافقون يتحدثون بثقة وبملء أفواههم رغم أن ما يقولونه ليس في قلوبهم، مما يعكس نفاقًا علنيًا وقويًا. أما في الآية الثانية، الأعراب يتحدثون بألسنتهم فقط، وأعذارهم تبدو ضعيفة وغير مقنعة، مما يعكس نفاقًا أقل وضوحًا وضعفًا في التعبير عن مواقفهم.