بولس الطرسوسي وتأثيره على الفكر المسيحي والإسلامي

   من هو بولس الطرسوسي؟

     بولس الطرسوسي، المعروف بالقديس بولس، يُعدّ شخصية محورية في تاريخ المسيحية المبكرة. وُلد في مدينة طرسوس (في تركيا الحالية) حوالي العقد الأول للميلاد لعائلة يهودية من طائفة الفريسيين. كان اسمه الأصلي “شاول”، وبرز كفقيه يهودي متشدد في الالتزام بالشريعة، متأثرًا بالتقاليد اليهودية المتأصلة في الفريسيين. تلقى تعليمًا متقدمًا في الشريعة اليهودية على يد كبار العلماء، مثل غمالائيل الأول، ما أهّله ليصير أحد المدافعين البارزين عن العقيدة اليهودية.

نشاطه كيهودي فريسي

  • شاول كان في البداية خصمًا قويًا للحركة المسيحية الناشئة، حيث اعتبرها تهديدًا للعقيدة اليهودية.
  • اشتهر بمشاركته في اضطهاد المسيحيين الأوائل، وأبرز مثال على ذلك تأييده لرجم استفانوس (أحد أوائل الشهداء المسيحيين).

       تحول بولس إلى المسيحية

     تحوّل شاول إلى بولس المسيحي يُعدّ نقطة محورية في حياته وفي تاريخ المسيحية ككل. وفقًا لروايته الشخصية في كتاب أعمال الرسل:

  1. الرؤية على طريق دمشق: أثناء توجهه إلى دمشق لملاحقة المسيحيين، ادّعى شاول أنه رأى رؤية للمسيح القائم من الموت. هذه الرؤية غيرت مسار حياته بشكل جذري.
  2. التحول الجذري: بعد هذه التجربة، اعتنق المسيحية وصار من أبرز مبشريها. أخذ اسم “بولس” الذي يعكس هويته الجديدة وترك موقعه كفريسي ملتزم بالشريعة اليهودية.

انطلاقه كمبشر

بعد تحوله، قضى بولس سنوات في دراسة العهد الجديد والرسالة المسيحية، ثم بدأ رحلات تبشيرية واسعة النطاق، شملت آسيا الصغرى واليونان وروما، حيث أسس جماعات مسيحية جديدة.

     تأثير بولس على الفكر المسيحي

إعادة صياغة اللاهوت المسيحي

بولس لم يكن مجرد ناقل لتعاليم المسيح، بل كان مُبتكرًا لصياغات لاهوتية جديدة. أهم ملامح تأثيره:

  1. الخلاص بالإيمان: شدد بولس على الإيمان بيسوع المسيح كطريق وحيد للخلاص، متجاوزًا الشريعة اليهودية التقليدية.
  2. ألوهية المسيح والخطيئة الأصلية: وضع بولس أسسًا لاهوتية ترى المسيح كإله متجسد، وضحى بنفسه لتكفير خطيئة البشرية التي ورثها البشر من آدم.
  3. القيامة كركيزة أساسية للإيمان: أكد بولس أن قيامة المسيح هي حجر الزاوية للإيمان المسيحي.

التوسع العالمي للمسيحية

  • بفضل رحلاته التبشيرية، صار بولس مهندسًا لتحويل المسيحية من دين محدود في أوساط اليهود إلى دين عالمي يشمل الأمم.

الانتقادات والتحريف

  • بولس واجه انتقادات من تلاميذ المسيح الأوائل الذين رأوا أنه عدّل في رسالة المسيح الأصلية.
  • أضاف روايات غيبية وأبعاد فلسفية جديدة، ما جعل المسيحية أكثر تعقيدًا ولاهوتية مقارنة ببساطة دعوة المسيح الأولى.

     تأثير بولس على التراث الإسلامي

نقل الروايات إلى الإسلام

مع ظهور الإسلام، كان المسلمون على تماس مباشر مع المسيحيين وتعاليمهم التي تأثرت بفكر بولس. أثر بولس على التراث الإسلامي يمكن تتبعه من خلال النقاط التالية:

  1. فكرة التحريف: يُعتقد أن تصور الإسلام لتحريف الكتب السماوية يشمل ما قام به بولس من تعديلات على رسالة المسيح.
    • الآيات القرآنية مثل: وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا ” (البقرة: 135)، تشير إلى انحراف الرسالات السماوية، وهو ما يراه المفسرون انعكاسًا لتحريف بولس للمسيحية.
  2. اللاهوت المسيحي في الجدل الإسلامي:
    • النقاشات الإسلامية حول ألوهية المسيح والخلاص بالإيمان عكست ردًا على الفكر البولسي.
    • القرآن الكريم يعارض بشكل مباشر فكرة ألوهية المسيح كما وردت في رسائل بولس : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم (المائدة: 72).
  3. المرويات الإسرائيلية:
    • التراث الإسلامي، خاصة في التفسير والحديث، استوعب بعض الروايات المستمدة من الفكر المسيحي المتأثر ببولس، مثل قصص القيامة والمسيح الدجال.

النقد الإسلامي لبولس

  • المفكرون المسلمون، مثل ابن تيمية، اعتبروا بولس مسؤولًا عن تحريف رسالة المسيح، مما جعل المسيحية تتناقض مع مفهوم التوحيد الإسلامي.

         الخلاصة

      بولس الطرسوسي كان شخصية محورية في تحويل المسيحية من دعوة محلية إلى دين عالمي، لكنه فعل ذلك بإعادة صياغة تعاليم المسيح وفق رؤيته الخاصة. أثره في الفكر المسيحي يتضح في اللاهوت الذي طوره، وفي الروايات التي أضافها. أما في التراث الإسلامي، فقد ظهر تأثيره بشكل غير مباشر، من خلال نقاشات المسلمين مع المسيحيين، ونقل بعض الروايات من المسيحية إلى الإسلام. ومع ذلك، بقيت صورة بولس في الفكر الإسلامي سلبية إلى حد كبير، حيث اعتُبر أحد المسؤولين عن تحريف الرسالات السماوية.