الرسول النبي الأمي..ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث

      فهم النص القرآني وفق منهج القرآن واللسان العربي
تعد النصوص القرآنية مصدرًا متينًا للحكم والتشريع، ويتطلب فهمها منهجية دقيقة ترتكز على القرآن ذاته، وفق اللسان العربي، والمنطق. النص القرآني الذي جاء في سورة الأعراف:

الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث”(الأعراف: 157)

يستوجب منا تأملًا عميقًا لفهم أبعاد هذه الآية، لا سيما من خلال التفريق بين مقام النبي ومقام الرسول، واستيعاب دور الرسول كـ”تالي” ومبلغ لما أنزل عليه، وليس كمنشئ للتشريع، ودور النبي كعالم ومعلم وإمام وداعية .

    أولاً: الإتباع للرسول (الذين يتبعون الرسول..) والاتباع لايكون للشخص ذاته وإنما للرسالة التي يحملها، ولذلك اتباع الرسول مستمر بعد وفاة حامل الرسالة ، وتصير الرسالة هي الرسول.

    ثانياً: النبي الأمي تعريف لهذا الرسول وما يأتي بعدها يتعلق بمقام الرسالة .

وصف النبي بأنه الأمي لا يعني الجهل، وإنما يدل على خلوه من تأثير الكتب السابقة، وعلى أنه لم يكن من “أهل الكتاب”.وأنه إنسان فطري لا يُحسن الخط ولا تلاوته، وأنه من مكة أم القرى.  

    ثالثاً: الفرق بين مقام النبي ومقام الرسول في النص القرآني
النص ابتدأ بذكر الرسول النبي الأمي. وهنا نجد التركيب مركبًا بعناية:

  1. الرسول: هو الذي يحمل رسالة من الله، أي وظيفة التبليغ، والتي تعتمد على وعي وأمانة في النقل دون تغيير( وما على الرسول إلا البلاغ المبين).
  2. النبي: هو الفرد المختار الذي يتلقى الوحي بتكليفه مقام الدعوة والتعليم والإنذار والبشارة .

بهذا، فإن مقام الرسول يتمثل في التبليغ الأمين للرسالة، ومقام النبي يتعلق بالدعوة و التعليم والإمامة و القيادة..
ولذلك كل نبي هو رسول ضرورة ، والرسول نوعين: نبي رسول دعوة وتعليم مثل النبي هارون، ونبي رسول قائد مثل موسى نزل عليه كتاب اسمه رسول كتاب

رابعًا: ” ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث”

فعل يُحل و يحرم يرجع لمقام الرسول وليس لمقام النبي، وهذا يعني أنه يتلو عليهم ما نزل عليه، لأن الرسول مبلغ وتالي وليس مشرعاً، والنبي معلم وداعية وإمام.

  • الخُبث في اللسان العربي: الجذر (خ- ب- ث) يشير إلى شيء مستقر في النفس على هيئة سيئة، سواء كان ذلك في الطعم، الرائحة، الفعل، أو الكلمة. الخبائث في النص تشمل كل ما يُفسد النفس أو الجسد أو المجتمع مادياً أو معنوياً.
  • منطق التحليل: التحريم هنا ليس بناءً على أذواق فردية، بل قائم على الوحي. فما حرمه الله هو خبيث ضرورة ، وما تحقق به الخبث وهو خارج دائرة التحريم يكون منهي عنه حتى يطهر، لأنه يتنافى مع الطيبات التي فُطر الإنسان على قبوله.، والأصل في الأفعال الحلال إلا ما ورد في النص القرءاني تحريمه أو النهي عنه عيناً.

الرسول لم يُشرع هذا التحريم؛ هو فقط يبين ما جاء في الكتاب. النص نفسه يحيل الأمر إلى مرجعية مكتوبة: يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.”

خامسًا: تأكيد مقام التبليغ وعدم الخلط مع التشريع
يعيد النص القرآني تأكيد هذه النقطة مرارًا. الرسول لا يملك أن يُشرع:

  • “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم”(الأحزاب: 36)
    الرسول ينقل قضاء الله، وليس قضاء نفسه.
  • قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي”(الأعراف: 203)

الرسول مبلغ للأحكام الموحى له، بما فيها تحريم الخبائث، ولا يحق له أن يحل أو يحرم من تلقاء نفسه.

خاتمة:

 تحكيم الوحي ودور النبي والرسول
النصوص القرآنية تنسجم في رسم صورة واضحة: التشريع من عند الله، والرسول مبلغ لما نُزل عليه. ذكر الرسول النبي الأمي في مطلع الآية يشير إلى هذه الوظائف بتكاملها: الاتصال بالوحي، وتبليغ ما جاء فيه.
تحريم الخبائث، إذن، ليس عملًا اجتهاديًا من الرسول، بل هو تنفيذ لما أمر الله به في كتابه. منهجنا في التدبر يؤكد ضرورة العودة إلى القرآن واللسان العربي لفهم النصوص، دون إسقاط تصورات بشرية على مقام النبي والرسول.

بهذا الفهم، يتحقق الوضوح: النبي أمي لأنه مستقل عن المرجعيات البشرية، ورسول لأنه يبلغ الوحي كما أنزل عليه.