هل الأنبياء مختلفين بيولوجيًا و جينياً عن سائر البشر
لطالما أثيرت تساؤلات حول الطبيعة البشرية للأنبياء، وما إذا كانوا يتمتعون بصفات بيولوجية وراثية خاصة تميزهم عن سائر البشر. في هذا المقال، سنثبت بالدليل العلمي والمنطقي أن الأنبياء، وفقًا للنصوص القرآنية، هم بشر كسائر الناس، لا يملكون أي جينات أو صفات بيولوجية استثنائية. كما سنتناول مفهوم الاصطفاء الإلهي للأنبياء وذريتهم، موضحين أن هذا الاصطفاء لا علاقة له بأي امتياز وراثي أو بيولوجي، وإنما هو قائم على مؤهلات إيمانية وسلوكية.
أولًا: الأنبياء بشر كسائر الناس
أكد القرآن الكريم مرارًا أن الأنبياء بشر لا يختلفون في أصلهم البيولوجي عن بقية الناس. جاء في قوله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (الأنبياء: 8)
وهذا يثبت أنهم يخضعون لنفس القوانين البيولوجية مثل بقية البشر، إذ يأكلون الطعام ويحتاجون إليه للبقاء على قيد الحياة. وإثبات حاجتهم للطعام يعني إثبات الحاجات العضوية، كما أن الموت مصيرهم جميعًا، مما يدل على أنهم ليسوا مخلوقات ذات تكوين خاص يميزهم عن الناس. {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }الزمر30
وفي موضع آخر، يرد القرآن على الذين استنكروا بشرية النبي محمد، مؤكدًا أنه لا يختلف عن غيره من البشر في تكوينه البيولوجي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (الكهف: 110)
وهذا النص يوضح بجلاء أن الفارق الوحيد بين الأنبياء وسائر البشر هو الوحي، وليس أي اختلاف بيولوجي أو وراثي.
ثانيًا: المشي في الأسواق دليل على الطبيعة البشرية العادية
أحد الاعتراضات التي طُرحت على بشرية النبي محمد كانت تتعلق بكونه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وهو ما يُثبت خضوعه لنفس القوانين البيولوجية والاجتماعية التي يخضع لها جميع البشر. جاء في القرآن الكريم:
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 7)
يُشير هذا النص إلى أن الاعتراض لم يكن على رسالة النبي، بل على طبيعته البشرية، وكأنهم كانوا يتوقعون أن يكون النبي كائنًا مختلفًا عن البشر. إلا أن القرآن يرد عليهم بأن الأكل والطعام و المشي في الأسواق، أي القيام بالنشاطات اليومية العادية، هو دليل على بشرية النبي، مما يُثبت أنه لا يتمتع بأي صفات بيولوجية خارقة.
ثالثًا: الاصطفاء للنبيين وذريتهم- بيولوجي أم سلوكي؟
كثيرًا ما يُساء فهم مفهوم الاصطفاء الإلهي للأنبياء وذريتهم، حيث يُعتقد أحيانًا أن الاصطفاء قائم على تميز بيولوجي أو وراثي. لكن النصوص القرآنية تُثبت أن الاصطفاء يعتمد على الاستعداد الإيماني والسلوكي، وليس أي تفوق جيني أو بيولوجي.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَٰهِيمَ وَآلَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ (آل عمران: 33)
الاصطفاء هنا لا يشير إلى تميز بيولوجي، بل إلى الاختيار الإلهي بناءً على مؤهلات إيمانية وسلوكية. فالاصطفاء لا يمنح أصحابَه طبيعة مختلفة عن البشر، بل يختار الله من بين الناس من يحقق شروط الاصطفاء وفقًا لاستقامتهم وإيمانهم.
ويؤكد القرآن هذا المعنى في آية أخرى:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۭ بِٱلْخَيْرَٰتِ﴾ (فاطر: 32)
هذه الآية تُثبت أن الاصطفاء لا يُعطي الشخص أي تفوق بيولوجي، إذ إن بعض المصطفَين قد يكونون ظالمين لأنفسهم، مما يدل على أن الاصطفاء لا يعني الكمال الفطري، بل هو تكليف ومسؤولية إلهية.
إذاً، الاصطفاء ليس وراثيًا، بل هو اختيار قائم على التقوى والصلاح، وليس على أي تفوق جيني أو بيولوجي.
رابعًا: المسيح بشر كسائر البشر رغم ولادته دون والد
إحدى الحجج التي تُطرح لتفرد المسيح بيولوجيًا هي كونه وُلد من أم دون والد. ولكن القرآن يوضح أن هذا لا يجعله كائنًا مختلفًا عن سائر البشر، بل يبقى إنسانًا خاضعًا للقوانين الطبيعية كحمل وولادة وحاجته للطعام، {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }المائدة75، كما أن هناك سابقة تاريخية في خلق البشر من تراب، مثل آدم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59)
وهذا يبين أن وجود فرد بشري من والدة دون والد لا يعني أنه يتمتع بصفات بيولوجية استثنائية، إذ إن آدم نفسه خُلق من تراب، ومع ذلك فهو بشر مثل غيره.
خامسًا: القوانين البيولوجية لا تتغير بسبب الطريقة التي وُلد بها الإنسان
وفقًا للعلم الحديث، فإن الطريقة التي يأتي بها الإنسان إلى الوجود لا تغير من طبيعته البيولوجية. فسواء أتى الإنسان عن طريق التكاثر الجنسي التقليدي أو بطريقة غير مألوفة (مثل الاستنساخ أو التلقيح الصناعي)، فإنه يبقى خاضعًا لنفس القوانين الجينية والوراثية.
ولادة المسيح من والدة دون والد ليست سوى حالة نادرة الحدوث لكنها لا تعني امتلاكه لتركيب جيني مختلف عن بقية البشر. فجميع خلاياه الجسدية، بما فيها تركيبة الـ DNA، لا تخرج عن الإطار الطبيعي للبشر.
خاتمة
من خلال الأدلة القرآنية والمنطق العلمي، يتضح أن الأنبياء جميعًا، بمن فيهم النبي محمد والمسيح، هم بشر لا يتميزون بأي صفات بيولوجية خاصة. الفرق الوحيد بينهم وبين غيرهم من البشر هو الوحي، وليس أي تركيبة وراثية استثنائية. كما أن الاصطفاء الإلهي ليس قائمًا على التفوق الجيني، بل هو مبني على التقوى والاستقامة. بهذا، فإن القرآن ينفي أي فكرة تتعلق بوجود صفات بيولوجية خارقة للأنبياء، ويؤكد أنهم يخضعون لنفس القوانين الطبيعية التي تحكم بقية البشر.
اضف تعليقا