مفهوم فعل “شهد” ومعناه
يشكل الفعل “شهد” محورًا مهماً في الدراسة اللسانية والمنطقية لما يحمله من دلالات تتجاوز مجرد الإدلاء بالمعلومات والإقرار بها إلى تحقيق يقين معرفي قائم على جمع المعلومات وترجيح الأدلة. في هذا السياق، يتجلى التمييز بين نوعين من الشهادة: شهادة العلم القائمة على الخبرة والمعطيات والبراهين، وشهادة الحضور التي تُستخلص من السمع والبصر والعلم والوعي والإدراك. ويُعد هذا التقسيم ضروريًا لفهم كيفية حصول اليقين، إذ لا يقتصر مفهوم الشهادة على الدلالة اللسانية البحتة، بل يستلزم لوازم فعلية منطقية تتطلب حضورًا واعيًا يساهم في الحصول على المعرفة.
- الجذر والمعنى ولوازم الفعل في فعل “شهد”
2.1. الجذر والمعنى اللساني
ينحدر الفعل “شهد” من الجذر (ش- ه- د)، والذي يرتبط في معانيه الأصلية بفكرة الرؤية والإدراك. ومع ذلك، فإن المعنى المتجدد للفعل لا يقتصر على الإشارة إلى الحضور الفيزيائي فحسب، بل يتضمن عمليةً عقليةً تتطلب جمع المعلومات وترجيح الأدلة؛ بحيث يصير الشاهد منطلقًا لإعلان يقين قائم على التجربة والخبرة والمعطيات المثبتة، أو يكون إخباراً وإقراراً بوعي وعلم وسمع وبصر.
2.2. لوازم الفعل عند الحصول على المعرفة
على الرغم من أن دلالة فعل “شهد” اللسانية قد لا تشتمل صراحةً على الحضور، إلا أن الحضور قد يكون تحصيل حاصل حسب تعلق فعل الشهادة بواقع معين يستلزم أن يكون الشاهد حاضراً:
- الحضور الواعي: لا يعني مجرد التواجد الجسمي، بل حضورًا يشمل السمع والبصر والمعرفة والوعي والإدراك؛ أي أن من شهد شيئًا حسياً يكون حاضرًا للحدث بإدراكه الواعي الذي يضمن تحقيق اليقين.
- جمع المعلومات وترجيح الأدلة: تعد هذه العملية شرطًا للحصول على شهادة العلم؛ فالشهادة القائمة على الخبرة والمعطيات تثبت اليقين بناءً على أدلة ملموسة وبراهين موضوعية منطقية.
يُلاحظ هنا أن لوازم فعل “شهد” المنطقية تتعدى دلالته اللسانية؛ إذ يتطلب الوصول إلى شهادة يقين تامة وجودًا فعليًا وإدراكًا شاملاً يتضمن عناصرًا لا يُذكر بعضها في الفعل ذاته، لكنها ضرورية لعملية الحصول على المعرفة.
- شهادة العلم وشهادة الحضور: تقسيم دلالي
3.1. شهادة العلم القائمة على الخبرة والمعطيات
تعتمد شهادة العلم على ما يُستمد من الخبرة المباشرة والمعطيات والبراهين، مما يجعلها شهادة يقين كاملة. فالشاهد هنا لا يقتصر على الإلمام الجزئي للحدث، بل يقوم بجمع المعلومات وترجيح الأدلة التي تثبت وقوعه بطريقة موضوعية. هذه الشهادة تُعبّر عن يقين مستند إلى التجربة والبيانات التي لا تقبل الشك، حيث يصير المعرفة نتاجًا منطقيًا لا محل له من الخطأ.
3.2. شهادة الحضور الواعي
من جانب آخر، تأتي شهادة الحضور لتتضمن عنصر الإدراك الحسي والوعي؛ إذ يشهد الفرد بالحدث بحواسه: سمعه وبصره ومعرفته ووعيه وإدراكه الفعلي، مما يؤكد حضوره للواقعة. وفي هذا السياق لا يُقصد بالحضور مجرد التواجد الفيزيائي، بل حضورًا واعيًا يتحقق من خلال عملية إدراكية تضمن التأكد الكامل من الحدث. وهكذا تصير شهادة الحضور شهادة يقين أيضًا، تُثبت أن الشاهد كان حاضرًا اثناء حصول الحدث.
3.3. الفرق بين شهادة “شاهد” وشهادة “شهيد”
يبرز التمييز بين مفهومي “شاهد” و”شهيد” في السياق الدلالي:
- شهادة “شاهد”: ترتبط بمعرفة الحدث عن طريق الاطلاع أو الخبرة دون أن يكون الشاهد حاضرا للحدث ذاته؛ فالشاهد هذا يقوم بدراسة معطيات الحدث وصفاته والعلم بتفاصيل الحدث ويشهد بناء على معرفته ويصير اسمه شاهد علم وخبرة ، مثل شهادة الطبيب الشرعي والجنائي.
- شهادة شهيد ابتداء أن يكون الشاهد حاضرا للحدث بنفسه بوعي وسمع وبصر يدرك ما حصل أمامه؛ وهذا ما يفسر وصف الله بالشهيد، كونه حاضراً ويسمع ويرى ما يجري من الأحداث بعلم وإدراك.
- النصوص القرآنية وتطبيقاتها
لتوضيح المقاربة المنطقية واللسانية لفعل “شهد”، نستعرض بعض النصوص القرآنية التي تجسد هذا التقسيم بشكل واضح:
4.1. آية من سورة آل عمران
{شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران 18)
في هذه الآية، يظهر استخدام فعل “شهد” للدلالة على شهادة يقينية إلهية مبنية على العلم والإدراك؛ حيث يشهد الله على ذاته بوصفه لا إله إلا هو، ويشمل ذلك شهادة الملائكة وأولي العزم من العلماء، مما يؤكد أن الشهادة تتعلق بشهادة العلم والإدراك والخبرة والحكمة وفق البراهين لإثبات الحقيقة المطلقة، ومن ثم الإدلاء بها والإخبار.
4.2. آية من سورة البقرة
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة 185)
تشير هذه الآية إلى شهادة تتعلق بالعلم والوعي وإدراك ظاهرة شهر رمضان؛
وليس مطلوباً من الشاهد أن يدلي بشهادته لأحد فهي معرفة وعلم لنفسه ليقوم بالصيام، ويلزم من شهود ظاهرة رمضان للشخص حضوره الشخصي بذاته في مكان حصول هذه الظاهرة الفلكية ، وهذا يعني أن الحضور الشخصي هو فعل مرافق للشهادة ولازم لها.
4.3. آية من سورة آل عمران
{وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران 81)
يوضح هذا النص القرآني أن الشهادة في إطار الميثاق والعهود لا تقتصر على مجرد الحضور الفيزيائي، بل تتطلب إقرارًا ويقينًا قائمين على العلم والمعطيات؛ فالشهادة هنا تُعبّر عن التزام معرفي وإيماني متكامل، مثل شهادة “شاهد” التي تقوم على الوعي و العلم والإدراك.
- الخاتمة
يتبين من الدراسة أن فعل “شهد” يتجاوز الدلالة اللسانية البسيطة، ليحمل في طياته مفهومين أساسيين:
- شهادة شاهد: التي تقوم على الخبرة والمعطيات والبراهين، وتُعتبر شهادة يقين قائمة على تجميع المعلومات وترجيح الأدلة.
- شهادة شهيد وهي تتعلق بحضور الكائن بنفسه بشكل واعي التي تقتضي حضورًا حقيقيًا ؛ مما يضمن حصول اليقين في الحصول على الحدث.
إن لوازم الفعل المنطقية التي تُرافق “شهد” ليست من دلالته اللسانية فقط، بل هي شروط أساسية لتحقيق اليقين في المعرفة؛ إذ لا يصح القول إن الشهادة تعني مجرد حضور، بل يجب أن يكون الحضور واعيًا ومبنيًا على إدراك تام للواقع. كما يتضح من النصوص القرآنية التي تناولناها، فإن الشهادة بمفهومها المعرفي والعقائدي تُثبت الحقيقة عبر العلم والإدراك والإقرار الكامل، وهو ما يميزها عن مجرد المعرفة السطحية أو مجرد الوجود دون وعي لما يحصل.
بهذا نخلص إلى أن الفهم الأكاديمي العميق لفعل “شهد” يتطلب تمايزًا بين شهادة العلم وشهادة الحضور الواعي، وهما عنصران أساسيان في تحقيق يقين معرفي تام يستند إلى التجربة والمعطيات الحسية والعقلية، مما يتيح للباحثين فهماً أكثر دقة وعمقًا لمعاني النصوص القرآنية والدلالات اللسانية المرتبطة بهذا الفعل الجوهري.
اضف تعليقا