“الشياطين الغواصون” في قصة النبي سليمان
تتناول هذه الدراسة مصطلح “الشياطين الغواصين” الوارد في قصة النبي سليمان في القرآن الكريم (سورة ص: ٣٧–٣٨، والأنبياء: ٨٢)، من خلال تحليل لساني صرف يركز على الدلالة السياقية للمفردات بعيداً عن الإسقاطات التراثية أو التفسيرات المجازية. تهدف إلى تحديد ماهية هذه الفئة ودورها في النص القرآني بناءً على الجذور اللسانية والقرائن النصية.
أولاً: التحليل اللساني لمفهوم “الشياطين“
- الجذر اللساني:
اشتُقَّت كلمة “شَيْطَان” من الجذرشَيطَ، الذي يدل في اللسان العربي على البُعد والتمرد والخروج عن الطاعة ( - الدلالة القرآنية:
يُستخدم كلمة الشيطان في القرآن لوصف الكائنات المتمردة، سواءً كانت من الإنس أو غيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾(الأنعام: ١١٢). - السياق في قصة سليمان:
يصف النص القرآني “الشياطين” بأنهم“كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ“ ( (ص: ٣٧)، مما يربطهم بأعمال مادية محددة (البناء والغوص)، ويُضعف الفهم القائم على طبيعتهم الخارقة.
ثانياً: دلالة “الغواصين” بين الجذر اللساني والسياق القرآني
- الجذر اللساني لكلمة “غَوَّاص“:
- الجذر(غ- و- ص) يدل على التعمق في الشيء والنزول إلى أعماقه، دون تحديد الوسط (ماء/تراب/هواء) أو بدلالة معنوية في العلم والدراسة والفكر.
- ورد في “لسان العرب”: “غاص في الأمر: تعمَّق فيه”، ويُقال: “غاص في الأرض” أي حفرها.
- الاقتران السياقي مع “البناء“:
- الجمع بين “بَنَّاء” و”غَوَّاص” في الآية (ص: ٣٧) يُشير إلى تكامل الأدوار في الأعمال العمرانية:
- البناء: يشمل تشييد الهياكل فوق الأرض.
- الغوص: يشمل الأعمال التحتية مثل حفر الأساسات أو استخراج مواد البناء من باطن الأرض.، أو التعمق في الدراسات (مهندس)
- الجمع بين “بَنَّاء” و”غَوَّاص” في الآية (ص: ٣٧) يُشير إلى تكامل الأدوار في الأعمال العمرانية:
- القرائن النصية الداعمة:
- وصفهم بـ“مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ“ (ص: ٣٨) يؤكد أنهم كائنات مُسَخَّرة بقوة النظام أو العقاب، مما يعزز فكرة أنهم بشر متمردون وُظِّفوا قسراً في مشاريع سليمان.
ثالثاً: استبعاد الدلالة المائية للغوص
- غياب القرينة النصية:
- لم ترد في الآيات أي إشارة إلى الماء أو أدوات الغوص المائي (كالبحر أو السفن)، على عكس سياقات أخرى كقصة موسى مع الخَضِر: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾(الكهف: ٧١).
- المنطق العملي:
- لو كان المقصود بالغوص استخراج اللؤلؤ أو الكنوز المائية، لَذُكرت تفاصيل ذلك في النص، كما في سورة الرحمن: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾(الآية: ٢٢).
رابعاً: التفسير البديل بناءً على السياق القرآني
- “الغواصون” كحفارين: أو مهندسين
- قد يشير “الغوص” إلىالحفر في الأرض لاستخراج المعادن أو تقوية أساسات المباني، وهو عمل يتكامل مع البناء، ـو من يقوم بالتعمق بدراسة مخطط البناء .
- يُستدَل على ذلك من آية سورة سبأ التي تصف أعمالاً مشابهة لسليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾(الآية: ١٣)، والتي تتطلب حفراً عميقاً لإنشاء “المحاريب” (الأبنية العالية) والهندسة
- الربط مع التسخير الإلهي:
- لا تعني “تسخير الشياطين” بالضرورة تحكُّم سليمان بكائنات خفية، بل تشير إلىقدرته على إخضاع المتمردين من البشر وتوجيه طاقاتهم للعمل المنتج والاستفادة من خبراتهم وقدراتهم بدل بقائهم في السجن دون عمل .
الخاتمة
يُظهر التحليل اللساني والسياقي أن مصطلح “الشياطين الغواصين” في قصة سليمان يُقصد به فئة متمردة من البشر، تم تسخيرها لأعمال البناء والحفر، دون حاجة لإقحام تفسيرات خارقة للطبيعة. يتوافق هذا مع المنهج القرآني في استخدام المصطلحات بدلالاتها الواقعية، مع التركيز على إبراز نعمة التسخير الإلهي التي منحها الله لسليمان لتحويل التمرد إلى طاعة.
اضف تعليقا