الفرق بين جمع “معدودة” و”معدودات”
يتميز التعبير القرآني بدقة الاختيار اللساني، بحيث تعكس المفردات معاني دقيقة تتناسب مع السياق الذي وردت فيه. من بين هذه المفردات، نجد استخدام كلمتي “معدودة” و”معدودات”، اللتين تشتركان في دلالة القلة، ولكنهما تختلفان في الاستخدام الدلالي وفقًا للسياق الذي وردتا فيه. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الفروق الدقيقة بين المصطلحين، وتوضيح كيف يتم توظيفهما في القرآن الكريم.
- 1. المعنى اللساني لكلمتي “معدودة” و”معدودات”
- “معدودة” هي صيغة مفردة مؤنثة تُستخدم للدلالة على القلة دون تركيز على العدد بحد ذاته، بل على ضآلته أو تفاهته.
- “معدودات” هي جمع مؤنث سالم، تُستخدم عندما يكون العدد القليل محسوسًا بشكل واضح ومحدد.
- 2. تحليل سياقات الاستخدام في القرآن الكريم
أ. “معدودة” في القرآن الكريم
- سورة البقرة (80):
- {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
- السياق هنا يتحدث عن ادعاء بني إسرائيل بأن عذابهم في النار سيكون مؤقتًا. استخدمت “معدودة” للإشارة إلى قصر المدة، ولكن دون تحديد دقيق للعدد، مما يعكس تهاونهم وعدم اهتمامهم بحصر تلك الأيام.
- سورة يوسف (20):
- {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ }
- هنا يشير السياق إلى بيع يوسف بثمن زهيد. لم يكن القصد تحديد عدد الدراهم بدقة، بل بيان تفاهة الثمن وعدم أهميته.
ب. “معدودات” في القرآن الكريم
- سورة آل عمران (24):
- {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }
- هنا نجد أن ادعاءهم قد ترسخ وأصبحوا يتحدثون عن تلك الأيام وكأنها محددة ومعلومة بدقة، مما جعلهم يثقون بوهمهم.
- سورة البقرة (184):
- (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)
- هنا تشير “معدودات” إلى أيام الصيام، وهي معروفة ومحددة العدد، لذلك استُخدم الجمع السالم.
- 3. الفروق الدلالية بين “معدودة” و”معدودات”
من خلال السياقات السابقة، يمكن استخلاص الفروق التالية:
- “معدودة” تُستخدم عندما يكون العدد قليلًا لكن غير محدد بدقة أو غير مهم بحد ذاته، بل يُذكر على سبيل التقليل أو الاستهانة.
- “معدودات” تُستخدم عندما يكون العدد القليل محسوسًا أو محددًا بشكل واضح، أو عندما يكون المتكلم واعيًا بهذا العدد.
- 4. الاستنتاج
يتضح أن القرآن الكريم يوظف “معدودة” و”معدودات” بدقة تتناسب مع السياق. فعندما يكون القصد مجرد الإشارة إلى قلة دون تحديد ملموس، تُستخدم “معدودة”، أما إذا كان العدد القليل محسوسًا ومحددًا بدقة، فتُستخدم “معدودات”. هذا التمييز الدقيق يعكس عظمة البناء اللساني للقرآن ويؤكد أن كل مفردة تُوضع في موضعها المناسب وفقًا للدلالة المطلوبة.
اضف تعليقا