مفهوم “مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ”
يُعدُّ مفهوم “مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ” من المفاهيم المحورية في الخطاب القرآني، حيث يؤكد القرآن من خلاله على استقلاليته وكمال محتواه، مع تصديقه لرسالته ومضمون وحيه. وعلى الرغم من وجود مصطلحات مشابهة مثل “مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ” في سياقات مخاطبة أهل الكتاب، فإن التركيز هنا ينصب على دلالات “لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ” باعتبارها تعبيرًا عن التصديق الداخلي للنص القرآني، دون أي ارتباط بمصادر خارجية كالسنة أو الحديث.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل المعنى اللساني والاصطلاحي لهذه العبارة، واستعراض تطبيقاتها النصية في القرآن الكريم، مع الرد على الشبهات التي قد تُثار حولها.
- المعنى اللساني والاصطلاحي لعبارة “بَيْنَ يَدَيْهِ”
1.1 الدلالة اللسانية
تتكون العبارة من كلمتين:
- “بَيْنَ”: تعني في اللسان العربي”ما قَدَّمَ” أو “ما سَبَقَ”، مما يشير إلى السابقة الزمانية أو المكانية.
- “يَدَيْهِ”: مثنى “يَد”، وهي تُستخدم للدلالة على القُرب أو التقدُّم ضمن قوة وهيمنة ، كما في قولهم “بين يديه الأمر” أي أمامه وتحت تصرفه وبقوته.
وبالتالي، فإن “مَا بَيْنَ يَدَيْهِ” تعني “ما سبق من النصوص، أو ما تضمنه الكتاب أو الوحي السابق”، سواء أكان ذلك داخل النص القرآني ذاته أم في سياق الكتب السماوية السابقة عند مخاطبة أهل الكتاب.
1.2 الدلالة الاصطلاحية في القرآن
يُستخدم التعبير “مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ” في القرآن للدلالة على أن القرآن يُؤَكِّد ويشهد لما سبقه من آيات داخل نطاق الوحي القرآني ذاته، مما يُظهر تماسكه الداخلي واستقلاليته التشريعية.
- التصديق الداخلي للقرآن: المفهوم والتطبيقات
2.1 تعريف التصديق الداخلي
هو تأكيد القرآن لذاته، بحيث يشهد بعضه لبعض، مما يُظهر وحدة النص واتساقه دون الحاجة إلى مصدر خارجي. وهذا النوع من التصديق يعزز فكرة أن القرآن يُغني بذاته عن أي مرجعية أخرى.
2.2 النصوص القرآنية الدالة على التصديق الداخلي
توجد عدة آيات تُبرز هذا المفهوم، منها:
- (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: 48).
- هنا، “مِنَ الْكِتَابِ” تشير إلى المحتوى القرآني السابق، مما يدل على أن القرآن يُصدق ما في داخله من نصوص الرسالة.
- (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) (فاطر: 31).
- تؤكد الآية أن الوحي القرآني هو الحق الذي يُصدق ما فيه من الرسالة.
- (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) ( البقرة: 97).
- تُظهر أن عملية التنزيل تأتي لتصديق وحماية ما نزل داخل النص القرآن وهي الرسالة .
- وهذا التصديق الداخلي لاعلاقة له بالكتب السابقة بدليل فصل التوراة والإنجيل عن دلالة التصديق في نص : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ }آل عمران3
- الفصل بين التصديق الداخلي والخارجي
3.1 التصديق الداخلي (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)
- يركز على تأكيد القرآن لذاته دون الحاجة إلى مصادر خارجية.
- يُستخدم في سياقات تؤكد وحدة النص القرآني وتماسكه.
3.2 التصديق الخارجي (لِمَا مَعَكُمْ)
- يُستخدم عند مخاطبة أهل الكتاب، كما في قوله تعالى: {وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ }البقرة41
- يختلف عن التصديق الداخلي لأنه موجه نحو كتب سابقة وليس نحو النص القرآني ذاته، والتصديق هو لمقومات الدين وأحكامه دون التحريف الذي أصاب الكتب السابقة.
- تصديق المسيح للتوراة
{وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ }آل عمران50
- 5. الرد على شبهة ارتباط التصديق بالسنة أو الحديث
يُثار أحيانًا أن عبارة “مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ” قد تشير إلى السنة النبوية أو الاحاديث، لكن النصوص القرآنية تُنفي هذه الفكرة من خلال:
- (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام: 38).
- (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: 89).
- (تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) (يوسف: 111).
- {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }العنكبوت51
هذه الآيات تؤكد أن القرآن كافٍ في بيانه وتشريعه، ولا يحتاج إلى مصدر خارجي لتصديقه.
. الخاتمة
يتضح من الدراسة أن مفهوم “مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ” يعبِّر عن آلية التصديق الداخلي للقرآن، حيث يشهد بعضه لبعض، مما يُبرز استقلاليته واكتماله. كما تم التمييز بين هذا المفهوم والتصديق الخارجي الموجه لأهل الكتاب، مع نفي أي علاقة له بالسنة أو الحديث.
بهذا يكون القرآن قد قدم ذاته كمرجعية كاملة ومستقلة، لا تحتاج إلى مصدر خارجي لتأكيد صحتها أو تشريعاتها.
اضف تعليقا