مفهوم ضرورة وجود الفاعل قبل الفعل
يتناول هذا البحث الإشكالية الفلسفية المتعلقة بالأولوية الوجودية بين الفاعل والفعل، حيث يُركِّز على ضرورة تقدم الفاعل على الفعل من خلال تحليل منطقي مستند إلى الفلسفة التحليلية، والمنطق الرمزي، ونظريات الرياضيات مثل نظرية غودل. يهدف البحث إلى إثبات أن وجود الفعل يستلزم بالضرورة وجود فاعل سابق عليه، وأن إنكار هذه الأولوية يُفضي إلى تناقضات منطقية ووجودية. كما يجيب على الاعتراضات الفلسفية المعاصرة حول السببية والوجود، ويُظهر أن وجود الخالق الأزلي هو ضرورة عقلية قائمة على منطق السببية.، وهو واجب الوجود.
- الإطار النظري للإشكالية
تعتبر مسألة “الأولوية الوجودية بين الفاعل والفعل” من القضايا الفلسفية والميتافيزيقية المركزية التي ترتبط بأسئلة حول الوجود والسببية. منذ العصور القديمة، مثلًا عند أرسطو، كان يوجد اعتراف واضح بأن كل فعل يتطلب فاعلًا. في هذا السياق، تُحاول بعض المدارس الفلسفية المعاصرة، مثل فلسفة التجريبية عند ديفيد هيوم، رفض السببية أو التقليل من ضرورتها. ولكن هناك ضرورة فلسفية وعقلية لتمييز بين الفاعل والفعل، إذ يُعد الفاعل وجودًا مستقلًا عن الفعل، ولا يمكن تصور وجود الفعل دون وجود فاعل سابق عليه، وإلا اقتضى نفي وجود الفعل.
إن إنكار الفاعل يؤدي إلى إشكال وجودي، حيث إن وجود الفعل يشترط وجود الفاعل. ويهدف هذا البحث إلى تأكيد هذه الفكرة بناء على قواعد منطقية رياضية وحسابية، مع الرد على الاعتراضات التي تثيرها بعض المفاهيم الفلسفية والعلمية.
- الفاعل والفعل والأولوية الوجودية
في هذا البحث، نُعرّف الفاعل (أ) بأنه الكيان الذي يمنح الفعل (ب) وجوده، ويجب أن يكون الفاعل مستقلًا عن الفعل وجوديًا. أما الفعل (ب) فهو الحدث أو التأثير الذي له وجود موضوعي، مثل حركة جسم أو تكوين الكون نفسه.
الأولوية الوجودية لا تعني فقط التقدم الزمني للفعل على الفاعل، بل هي أولية وجودية منطقية: لا يمكن أن يوجد فعل (ب) دون وجود فاعل (أ) يُعطيه وجوده. هذا يشير إلى أن الفاعل هو الشرط الضروري لوجود الفعل، وليس العكس.
- الحجة السببية: من أرسطو إلى لايبنتز
انطلاقًا من مبدأ السببية الكافية عند لايبنتز (“لا شيء يحدث دون سبب كافٍ”)، نلاحظ أن كل فعل (ب)يجب أن يكون له فاعل(أ) يفسر وجوده. في هذا السياق:
- التسلسل اللانهائي للفاعلين ← ( ب3 ← ب2 ← ب1…) مستحيل منطقيًا، لأن هذا التسلسل يؤجل الإجابة عن أصل السلسلة، مما يستلزم وجود فاعل أول (ب0) لا يُعلل.
- يميز هذا المبدأ بين “الوجود الممكن” (الكون الذي يتغير ويحدث) و”الوجود الواجب” (الفاعل الأول الذي لا يعتمد على شيء آخر لوجوده). هذه الأولوية في الوجود تؤكد على ضرورة وجود الفاعل الأول.
- البرهان الرياضي-المنطقي: الاستدلال بالضرورة
أ. نموذج الدالة الرياضية:
في الرياضيات، إذا افترضنا أن الفعل (A) هو دالة رياضية (f(x))، فإن:
- وجود f(x) مشروط بوجود المتغير المستقل x.
- إذا كان x جزءًا من A، فإن هذا يؤدي إلى تناقض ذاتي، مما يثبت ضرورة وجود x خارج نطاق A.
هذا النموذج الرياضي يعزز من منطقية أن الفاعل (B) يجب أن يكون موجودًا قبل الفعل (A) ليُحدِثه.
ب. نظرية عدم الاكتمال لغودل:
تُشير نظرية غودل إلى أنه “أي نظام رياضي يتطلب بديهيات لا تُشتق من داخله”. هذا يُطبَّق على الكون كنظام يتطلب وجود فاعل أول لا ينتمي إليه لشرح انتظامه ووجوده. أي أن الكون نفسه كنظام لا يكتمل دون وجود الفاعل الأزلي الذي يفسر وجوده وانتظامه.
ج. المنطق الرمزي:
من خلال المنطق الرمزي، إذا كانت (A → B) تعني أن وجود الفعل يتطلب الفاعل، فإن:
- نفي وجود الفاعل (B) يؤدي إلى نفي الفعل (A).
- ولكن العكس غير صحيح: من الممكن أن يكون الفاعل (B) موجودًا دون وجود الفعل (A)، مما يعزز أولوية الفاعل.
- تفنيد الاعتراضات الفلسفية والعلمية
أ. نقد هيوم للسببية:
هيوم ادعى أن السببية ليست أكثر من عادة عقلية ولا تعكس ضرورة موضوعية. ومع ذلك، حتى لو كانت السببية بنية عقلية، فهي لا تزال ضرورية لفهم أي نظام سواء كان رياضيًا أو فيزيائيًا. إنكار السببية يؤدي إلى عدم القدرة على تفسير انتظام الطبيعة.
ب. الفيزياء الكمومية والأحداث اللاسببية:
تُشير بعض التفسيرات في ميكانيكا الكم إلى حدوث أحداث لا سبب لها لعد القدرة على رصدها. إلا أن هذه “اللاسببية” لا تنطبق على المستوى الكلي للوجود، وإنما على المستوى دون الذري. الوجود الكلي للكون والزمن يحتاج إلى سبب كافٍ، وتفسير “اللاسببية” يعود إلى محدودية النماذج الرياضية التي لا تعكس بالضرورة الواقع الكامل.
ج. إشكالية التسلسل اللانهائي:
الادعاء بأن التسلسل السببي يمكن أن يمتد بلا بداية يؤدي إلى حلقة مفرغة. كل حلقة في السلسلة تعتمد على حلقة سابقة، لكن لا يوجد أصل يفسر وجود السلسلة، مما يثبت الحاجة إلى فاعل أول غير مُعلَّل.
- الخاتمة:
من الفلسفة إلى الميتافيزيقا
أثبت البحث أن إنكار أولوية الفاعل على الفعل يؤدي إلى تناقضات منطقية ووجودية. الأدوات العقلية من المنطق والرياضيات تثبت فكرة أن وجود أي فعل يستلزم بالضرورة وجود فاعل مستقل عنه. فإن الجوهر الفلسفي لهذا المفهوم يبقى ثابتًا: “لا معنى لوجودٍ بلا مُنشِئ”. الفاعل الأول هو الضرورة التي تفسر وجود الفعل، والوجود الكلي يحتاج إلى فاعل أزلي.
اضف تعليقا