دلالة رسم الألف بين الممدودة والمقصورة

   يُعدّ رسم الحروف في العربية من أهم عناصر الكتابة، ويثير موضوع الألف الممدودة (ا) والمقصورة (ى) جدلًا واسعًا حول دلالتهما، إذ يرى البعض أنّ الألف الممدودة تُستخدم للدلالة على الأشياء المادية بينما تختصّ الألف المقصورة بالأمور المعنوية. يهدف هذا البحث إلى تحليل هذه الفرضية أكاديميًا، وبيان مدى صحتها استنادًا إلى شواهد من المصحف العثماني، وتوضيح ما إذا كان الاختلاف في الرسم يحمل دلالة معنوية أم هو مجرّد اصطلاح كتابي وقواعدي.

أولًا: دراسة الرسم والتصنيف اللساني

يظهر في الخط  نوعان من رسم الألف في أواخر الكلمات:

  1. الألف الممدودة (ا): تُرسم عندما تكون الألف أصلها واو، مثل “دعا” (أصلها دعو) و”غزا” (أصلها غزو) ويمكن أن تعرف من مضارعها. الواوي ( يدعو، يغزو..)
  2. الألف المقصورة (ى): تُرسم عندما تكون الألف أصلها ياء، مثل “بنى” (أصلها بني) و”هدى” (أصلها هدي) وتعرف من مضارعها اليائي( يهدي ، يبني).

يُفهم من ذلك أنّ الفرق بين النوعين ينبع من الأصل الاشتقاقي وليس من الدلالة المادية أو المعنوية.

ثانيًا: نقد الفرضية القائلة إن الألف الممدودة تُستخدم للمادي والمقصورة للمعنوي

القول بأنّ الألف الممدودة تختص بالمادي والمقصورة بالمعنوي يواجه إشكالات واضحة عند النظر في النص القرآني، حيث نجد أن الألف المقصورة قد استُعملت في كلمات ذات دلالات مادية محضة، مثل:

{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ }المائدة83

{وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }الأنعام27

{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ }الأنفال50

{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ }إبراهيم49

{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى }طه43، والطغيان مادي “عدوان وظلم واستبداد”

  • (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} (المسد: 3)، حيث تشير “يصلى” إلى الاحتراق بالنار، وهو أمر مادي بحت.
  • (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} (التكاثر: 2)، والمقابر أماكن محسوسة وليست معنوية.
  • (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} (العلق: 8)، والرجوع فعل حركي ملموس.
  • (تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) (الغاشية: 5)، والسقي عملية مادية.
  • (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى) (الأعلى: 4)، والمرعى شيء مادي محسوس.
  • {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى }النجم8

هذه الأمثلة وغيرها تؤكد أن الألف المقصورة ليست حكرًا على المفاهيم المعنوية كما يُدّعى.

ثالثًا: تحليل أمثلة الألف الممدودة في القرآن

على الجانب الآخر، نجد أن الألف الممدودة وردت في سياقات مادية مثل:

{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَءا كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ }الأنعام76

{فَلَمَّا رَءا الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ }الأنعام77

{فَلَمَّا رَءا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }الأنعام78

{فَلَمَّا رءا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ }يوسف28

{إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ }الحاقة11

و وردت أيضًا في سياقات معنوية، مثل:

{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّءا بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }يوسف24

رابعًا: أسباب رسم الألف في المصحف العثماني

من المهم الإشارة إلى أن الرسم العثماني للمصحف له قواعده الخاصة التي لا تتطابق دائمًا مع القواعد الإملائية الحديثة. فمثلًا:

  • “هدى” كُتبت بألف مقصورة رغم أنها تدل على هداية فعلية قد تكون مادية (كمن يُقاد إلى الطريق) أو معنوية (كالهداية إلى الحق).
  • “سجى” في (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (الضحى: 2) كُتبت بألف مقصورة رغم أن ظاهرة مادية .
  • هذا يعزز الفكرة القائلة بأن رسم الألف في المصحف يخضع لعوامل تاريخية وقواعدية، وليس لدلالات مادية أو معنوية صارمة.

خاتمة

يتضح من خلال التحليل أن رسم الألف سواء ممدودة أو مقصورة لا يحمل دلالة دلالية قطعية مرتبطة بالمادية أو المعنوية، بل هو انعكاس لأصل الكلمة الاشتقاقي. كما أن شواهد المصحف العثماني تؤكد أن الألف المقصورة استُعملت في سياقات مادية، والألف الممدودة استُعملت في سياقات معنوية، مما يُسقط الفرضية التي تدّعي وجود علاقة مباشرة بين الرسم والمعنى. بناءً على ذلك، فإن التفسير الأدقّ لظاهرة رسم الألف هو النظر في الأصول الاشتقاقية والتاريخية للخط، بدلًا من محاولة فرض دلالات تعسفية لا تستند إلى أساس علمي متين.