التحليل الدلالي للفعل الثلاثي “قسم” والرباعي “أقسم” بين التقسيم والقسم
يتميز اللسان العربي بثراء نظامه الصرفي، حيث يُشتق المصادر والأفعال من جذور ثلاثية تُعدُّ اللبنة الأساسية لبناء المعاني. وتأتي الصيغ الرباعية كتطوير دلالي يضيف أبعادًا جديدةً للأفعال الثلاثية. يهدف هذا البحث إلى تحليل الدلالات المتباينة للفعل الثلاثي “قَسَمَ” والفعل الرباعي “أَقْسَمَ”، معتمدًا على المنهج اللساني التحليلي والنماذج القرآنية، لتوضيح كيفية تطور الدلالة من مفهوم التقسيم المادي إلى التوكيد المعنوي عبر الزيادة الصرفية.
وينبغي على الباحث أن يعلم من المتكلم في الخطابات القرءانية ، ويعلم أن الله لا يُقسم ولا يحلف لأنه فوق ذلك فقوله الحق وحديثه الصدق، وهو غير مسؤول أمام أي جهة فهو القاهر فوق عباده ولا يُسأل عما يفعل، وينبغي العلم أيضًا أن دلالة ( الواو) تتعدد حسب السياق ، ويوجد في اللسان العربي “واو” الابتداء التي هي تفيد التنبيه والإشارة مثل بعض السور التي تبدأ بالواو وليس قبلها شيء فهي ليست واو القسم ولا واو العطف :
{وَالْعَصْرِ }العصر1
{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ }التين1
{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا }الشمس1
الإطار النظري والمنهجية
اعتمد البحث على:
- التحليل الصرفي الدلاليلفهم تأثير الزيادة الصرفية (كالألف في “أقسم”) على تغير المعنى.
- المنهج السياقيلدراسة النماذج القرآنية، باعتبار القرآن مرجعًا معياريًّا للبيان والدقة الدلالية.
- المقارنة المنطقيةبين استخدامات الفعلين في سياقات مختلفة.
التحليل الدلالي
أولًا: الفعل الثلاثي “قَسَمَ” ودلالة التقسيم
يرتبط الجذر “ق- س- م” بالتفريق والتجزئة، ويتجلى ذلك في ثلاثة مستويات:
- التقسيم الحسي المادي:
- ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُو۟لُوا ٱلۡقُرۡبَىٰ…﴾ [النساء: ٨].
- التفسير: تشير “القسمة” إلى عملية توزيع الإرث، مما يؤكد الطابع المادي للفعل.
- التقسيم الاجتماعي:
- ﴿نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَیۡنَهُم مَّعِیشَتَهُمۡ…﴾ [الزخرف: ٣٢].
- التفسير: يُستخدم الفعل هنا لبيان النظام الإلهي في توزيع الأرزاق، مما يضفي بعدًا مجردًا على التقسيم.
- التقسيم الكوني:
- ﴿وَٱلۡمُقَسِّمَـٰتِ أَمۡرًا﴾ [الذاريات: ٤].
- التفسير: يشمل التقسيم هنا تنظيم الظواهر الطبيعية، مما يعكس شمولية المفهوم.
ثانيًا: الفعل الرباعي “أَقْسَمَ” ودلالة القسم
تضيف الصيغة الرباعية معنى التوكيد والالتزام، كما في:
- القسم كضمان للصدق:
- ﴿وَأَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ…﴾ [النور: ٥٣].
- التفسير: يُظهر السياقُ ارتباطَ “أقسم” ببذل الجهد في التأكيد، مما يعزز مصداقية القول.
- القَسَم في الإطار القانوني:
- ﴿فَیُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ…﴾ [المائدة: ١٠٦].
- التفسير: يُستخدم الفعل هنا كآلية لتعزيز الشهادة، مما يربط القَسَمَ بالمسؤولية الأخلاقية.
- القَسَم كأداة بيانية: سواء أتى بصيغة الإثبات أو النفي فهو للفت انتباه الآخر لقيمة الشيء وعظمته
- ﴿فَلَاۤ أُقۡسِمُ بِمَوَاقع ٱلنُّجُومِ﴾ {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } [الواقعة: -75 76].
البنية التركيبية:
أ) “لا أقسم بمواقع النجوم → نفي صريح لفعل القسم
ب) “وإنه لقسم لو تعلمون عظيم” → إثبات صفة محل القسم
العلاقة المنطقية:
- النفي ≠ الإثبات هنا، لأنهما لا يقعان على نفس الشيء
- النفي يقع على (فعل القسم الشخصي)
- الإثبات يقع على (محل القسم)
والمتكلم ليس الله، وهو لا يُقسم ولا يحلف لأن قوله الحق وحديثه الصدق وهو فعال لما يريد، مثل : {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ }الحجر72،
فالمتكلم ليس الله.
الفرق الدلالي والوظيفي بين “قَسَمَ” و”أَقْسَمَ”
“قَسَمَ” (ثلاثي) | “أَقْسَمَ” (رباعي) |
التقسيم المادي/المجرد | التوكيد والحق |
تنظيم الأشياء والأرزاق | تعزيز المصداقية والالتزام |
إدارة الموارد (كالإرث) | المواثيق والشهادات |
العلاقة بين الدلالتين:
يكمن الجذر “ق- س- م” في فكرة التفريق، فكما يُفَرَّق المال في القسمة، يُفَرَّق بين الصدق والكذب بالقَسَم، عبر تحديد الحدود الفاصلة. وهذا يوضح التطور الدلالي من التقسيم المادي إلى التقسيم المعنوي.
الخاتمة
يكشف التحليل أن الزيادة الصرفية في الفعل الرباعي “أقسم” لم تُضِفْ مجرد تعدية الفعل، بل غيَّرتْ مساره الدلالي من التقسيم إلى التوكيد، مما يعكس مرونة النظام الصرفي العربي في التعبير عن التفاصيل الدقيقة. وتؤكد النماذج القرآنية أن هذا التمايز ليس اعتباطيًّا، بل يستند إلى منطق لساني عميق يربط بين البنية الصرفية والوظيفة الدلالية.
اضف تعليقا