مفهوم الفرح بين الذم والمدح

تحليل صوتي لمادة “فرح

عند دراسة الجذر الثلاثي ف- ر-ح وفق المنهج اللساني القائم على دلالات الأصوات:

  • الفاء (ف): تدل على حركة انفتاح خفيفة وفصل.
  • الراء (ر):تدل على تكرار أو حركة دائرية مستمرة.
  • الحاء (ح): تدل على خروج أو انبعاث يمتد مع نوع من الخفة أو التوسع.

بناءً على هذا التحليل، فإن الجذر فرح يعبر عن حالة انفتاح يتكرر ويؤدي إلى خروج طاقة معينة، فالفرح هو شعور وحالة من الانبساط النفسي أو الحركي التي تظهر وتتوسع نتيجة تأثير معين.

تحليل النصوص القرآنية المتعلقة بالفرح

في القرآن، نجد استعمال “الفرح” في سياقين مختلفين، وهو ما يستوجب تدبّر الفرق بينهما:

  1. الفرح المذموم:
    • (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ) ( القصص 76)
    • {ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ }غافر75
    • هنا، يأتي النهي عن الفرح مقترناً بشخصية قارون، الذي كان يمتلك ثروات طائلة و”بغى” على قومه.
    • الفرح هنا ليس مجرد الشعور بالسعادة، بل هو حالة نفسية ترتبط بالطغيان والاستعلاء الناتج عن امتلاك المال والجاه.
    • السياق يوضح أن الفرح هنا ناتج عن شعور بالفوقية، وكأن الإنسان في حالة انتفاخ داخلي يجعله يرى نفسه أعلى من الآخرين، مما يؤدي إلى تصرفات متكبرة وظالمة.
    • ولذلك، فإن الله لا يحب “الفرحين بغير حق، بهذا المعنى، لأن هذا الفرح هو نتاج إحساس زائف بالاستغناء والقوة الذاتية المنفصلة عن الله.
  2. الفرح المحمود:
    • (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس 58)
    • في هذا السياق، نجد الأمر بالفرح، لكنه فرح موجه نحو “فضل الله ورحمته”.
    • الفرح هنا لا ينشأ من الشعور بالاستغناء أو السيطرة، بل من الوعي بفضل الله ورحمته، أي أنه مرتبط بحالة إدراك النعمة وشكرها، وليس بالنظر إلى النفس على أنها محور الامتياز.
    • هذا الفرح لا يقود إلى البطر والطغيان، بل إلى الشكر والتواضع، لأنه مبني على استشعار العلاقة بين الإنسان وربه.

الفرق الجوهري بين الفرحين

  1. الفرح المذموم:
    • مرتبط بحالة داخلية من الانتفاخ والاستعلاء.
    • ناتج عن امتلاك مادي أو سلطة تدفع إلى الطغيان.
    • يؤدي إلى الظلم والاستكبار.
  2. الفرح المحمود:
    • مرتبط بالوعي بنعمة الله والتفاعل معها بشكر وخضوع.
    • لا يؤدي إلى التكبر، بل يولّد طاقة إيجابية داخلية تدفع الإنسان إلى مزيد من الشكر والعمل الصالح.
    • يحفّز الإنسان على الاهتمام بالأمور المعنوية أكثر من الماديات.

خلاصة

يمكن القول إن الفرح في القرآن ليس مذموماً لذاته، وإنما بحسب مصدره وأثره على الإنسان. الفرح الذي ينشأ عن الغرور والاستعلاء هو حالة مرضية تخرج الإنسان عن التوازن، بينما الفرح الناتج عن إدراك الرحمة الإلهية هو حالة وعي وسكينة. الفارق الأساسي بينهما هو أن الأول يجعل الإنسان يعبد ذاته، بينما الثاني يجعله يعبد الله بتواضع.