هل  كلمة العصر زمن  أم وظيفة فيزيائية

  يُعَدُّ مفهوم “العصر” في القرآن الكريم من المصطلحات التي تستدعي دراسة لسانية دقيقة، بعيدًا عن الإسقاطات التراثية والتفسيرية التقليدية. تنطلق هذه الدراسة من التحليل الصوتي والدلالي للكلمة، مع استقراء استخدامها داخل النص القرآني لفهم بنيتها ووظيفتها داخل السياق القرآني.

التحليل الصوتي لمادة “عصر”

تتكون كلمة “عصر” من الأصوات:

  • ع: حركة تدل على العمق أو التداخل الداخلي.
  • ص: حركة تدل على حركة ممتدة محددة.
  • ر: حركة تدل على التكرار والاستمرارية.

تُشير هذه الدلالات إلى عملية ذات طابع مستمر تتعلق باستخلاص شيء محدد عبر ضغط معين أو تفاعل داخلي يؤدي إلى نتيجة ملموسة.

استقراء سياقات “العصر” في القرآن

  1. سورة العصر (1): {وَالْعَصْرِ)
    • الواو هنا ليست واو القسم، بل واو الابتداء التي تنبه إلى بدء الكلام.
  2. “العصر” يشير إلى عملية كونية وظيفية تتعلق بالاستخراج والتحول المستمر.
  3. سورة يوسف (49) (ثُمَّ یَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِ ذَ ٰ⁠لِكَ عَامࣱ فِیهِ یُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِیهِ یَعۡصِرُونَ)
    • هنا يأتي الفعل “يعصرون” في سياق الزراعة والإنتاج، وهو يدل على عملية استخلاص المواد السائلة (مثل الزيت والعنب) عبر ضغط ميكانيكي أو طبيعي.
    • يدل ذلك على أن العصر في بنيته اللسانية يتعلق باستخراج شيء نتيجة تفاعل وضغط.
  4. سورة النبأ (14) (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً)
    • جاءت “المُعْصِرَات” بصيغة اسم الفاعل، وترتبط هنا بالسحب التي تمتلئ بالمياه قبل أن تسقط بغزارة.
    • يشير ذلك إلى مفهوم التفاعل الداخلي الذي يؤدي إلى إفراز شيء ما نتيجة للضغط أو الامتلاء.

العصر والزمن: إشكالية الربط بينهما

العصر لا يمكن أن يكون الزمن بالمفهوم التقليدي الذي يُشير إلى مرور اللحظات والساعات، لأن التحليل اللساني القرآني يُظهر أن “العصر” مرتبط بعملية وظيفية تتعلق بالاستخراج والتفاعل المستمر، وليس مجرد الإشارة إلى الوقت ككيان مستقل.

لماذا لا يعني العصر الزمن؟

  1. التحليل الصوتي
    • الجذر ع- ص- ر يشير إلى فعل استخراج أو توليد شيء جديد من خلال الضغط والتفاعل، وهذا يختلف عن مفهوم الزمن الذي هو مجرد استمرارية للحركة دون تفاعل داخلي.
    • على سبيل المثال، في كلمة “يعصرون” (يوسف 49)، المعنى مرتبط بعملية استخلاص السوائل من النبات، وليس بالزمن.
  2. الاستعمال القرآني
    • (وَالْعَصْرِ) في سورة العصر لم يحدده القرآن كوقت معين، بل جاء في سياق بيان مفهوم كوني وظيفي.
    • (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) (النبأ 14) توضح أن “المعصرات” هي السحب التي تُخرج الماء بعد اكتمال الضغط الداخلي، وهذا يعكس طبيعة العصر كعملية تفاعلية، لا كمجرد وقت.
  3. مفهوم الزمن في القرآن
    • القرآن استخدم مصطلحات أخرى للتعبير عن الزمن، مثل الدهر والوقت واليوم والليل والنهار، ولم يستخدم “العصر” بمعنى زمني مجرد.
    • لو كان “العصر” يعني الزمن، لما كان هناك حاجة لاستخدام مصطلحات مختلفة ومتعددة للدلالة على أبعاده المختلفة.

الاستنتاجات اللسانية

  • يرتبط مفهوم “العصر” في القرآن بعملية استخراج شيء نتيجة ضغط أو تفاعل داخلي، وهو مفهوم فيزيائي وظيفي أكثر من كونه مجرد دلالة زمنية.
  • تتجلى هذه العملية في الطبيعة (كالمعصرات التي تمطر) وفي النشاط البشري (كعصر الزيت والعنب)، مما يعكس قانونًا كونيًا عامًا.
  • “العصر” ليس الزمن، بل هو قانون كوني يقوم على التفاعل والضغط والاستخلاص المستمر، وهو ما يظهر في الطبيعة (المعصرات) وفي حياة الإنسان (يعصرون)، وحتى في النظام الاجتماعي والكوني الذي يقوم على هذه العملية المستمرة للإنتاج والتحول.

خاتمة

يقدم القرآن مفاهيمه بدقة لسانية تنسجم مع بنية الواقع الطبيعي والوظيفي، مما يجعل “العصر” ليس مجرد لحظة زمنية، بل عملية كونية تتعلق بالاستخراج والتفاعل المستمر. ومن خلال التحليل الصوتي والنصي، يتضح أن “العصر” في القرآن يعبر عن قانون فيزيائي عام يرتبط بالحركة المنتظمة التي تؤدي إلى نتيجة ملموسة، بعيدًا عن التفسيرات التقليدية التي حصرت دلالته في الزمن.