أنواع البرهان

أنواع البرهان والتعامل معه

آفة الفكر والعلم والذي لبس لبوس البرهان بين الناس من حيث التعامل في الحكم على الفكرة بالصواب أو بصدق المتكلم هو توسع الفكرة جغرافيًّا، أو انتشار الفكرة شعبيًّا، أو مضي على الفكرة زمن طويل تاريخيًّا، أو يقول بها بعض المشاهير بعلوم معينة أو فنون ، أو ترددها وسائل الإعلام المرئية أو المكتوبة…الخ، كل ذلك وغيره يؤثر على عقلية الناس ويجعلهم يصدقون الفكرة ويحكمون بصوابها، وصارت هذه الأمور بمثابة الأصنام التي يذبح التفكير أمامها.

وهذه الأصنام والموانع والجدر هي أسباب رئيسة في تخلف تفكير الأمة ومنعها من النهضة والرقي والتطور ومواكبة المستجدات وعيش الحاضر والتحكم بالمستقبل.

وينبغي العلم إن هذه الأصنام المذكورة ليست براهينًا ولا أدلة على صواب الفكرة ولا صدق المتكلم، وأن الفكرة تستمد صوابها من برهانها فقط، والبرهان يكون من جنس الفكرة وليس من غيرها، وينبغي الانتباه إلى الفرق بين مفهوم التعقل ومفهوم التصور، والأمور التي تحتاج إلى براهين مركبة من بعضها.

فما هو البرهان؟

البرهان هو أمر كلي ثابت في واقع الحال محكوم عليه بالصواب قطعًا بداهة أو تسليمًا أو موافقة للعلم .

ولا يطلب البرهان إلا من المثبت للفكرة أو المدَّعي لها، بخلاف النافي؛ فلا يطلب منه البرهان على ذلك، ولذلك قال العلماء: البيِّنة على المدَّعي والمُثبت ، وأخذ بذلك أيضًا القضاة في حكمهم على حقوق الناس وفيما بينهم وجعلوا المقولة قاعدة قضائية، (البيَّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر).

والبرهان في واقع الحال هو نوعين: عقلي أوعلمي.

1- البرهان العقلي: هو الذي يعتمد على المنطق والتحليل والتركيب والاستنتاج والربط والاستقراء والتعميم والقياس وهي عمليات فكرية  تحصل في الذهن وهي أساس لعملية التفكير والفهم والتدبر، وكل العلوم النظرية التجريدية مثل الرياضيات وفروعها تتبع هذا البرهان، وكذلك العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة والألسنية…

2- البرهان التطبيقي: هو الذي يعتمد على الحس والتجربة والملاحظة والبناء عليها، ويتبع هذا البرهان كل مسألة تخضع للتجربة والملاحظة مثل علم الكيمياء والطب…..

وأثناء الدراسة أو النقاش ينبغي الانتباه إلى نوع المسألة التي هي محل للدراسة أو النقاش وتحديد البرهان المناسب لها لنأتي به أو نطالب به الآخر، لأنه كثيرًا ما نلاحظ  عرض أفكار دون براهين ، أو عرض براهين لا علاقة لها بالفكرة مثل عرض برهان كلي لمسألة جزئية ، أو عرض برهان تخيلي من خلال ربط المناسبات والظروف ببعضها.

مثلًا: تجد أحدهم يطالبك ببرهان على وفاة جدك الذي مضى على ولادته أكثر من 200 عام، فموت الإنسان أمر ثابت وليس هو من الأمور التي يُطلب لها البرهان لمشاهدته في الواقع ، وعمر الإنسان الافتراضي لا يتجاوز غالبًاً مئة عام في كل المجتمعات، وبناء على ذلك يحكم القضاء بالموت على كل إنسان اختفى أو مفقود إن تجاوز عمره عمر أقرانه ووفاتهم جميعًا ، ويقوم بإجراء ما يترتب عليه من حقوق قضائية واجتماعية ويقسم تركته، فالبرهان الكلي يحكم على وفاة الناس كلهم كقانون حتمي لابد منه، والقانون الجزئي يكون ضمن القانون الكلي وهو موت الناس وفق عمرهم الافتراضي وهذا يختلف من مجتمع إلى آخر حسب معطيات البيئة وتطور العلوم .

ونلاحظ أن القانون الكلي حتمي بينما القانون الجزئي احتمالي بمعنى أنه يقبل التعدد في الظهور ويختلف من مجتمع إلى آخر ولكن لا يمكن إلغاء القانون الكلي الذي هو الموت للكائن الحي نهاية وفق عمره الافتراضي.

وتجد أحدهم يطالبك ببرهان على ثبوت فاعل لفعل يعيشه  ويحسه بحواسه مثل سماع طرق على الباب فحصول فعل الطرق  هو برهان بحد ذاته على وجود فاعل ضرورة وهذا أمر مسلَّم به عند العقلاء ولا يُطالب ببرهان عليه لأن العقل يرفض أن يقبل حصول فعل دون فاعل، ومع ذلك تجد إصرار عجيب من الآخر على المطالبة ببرهان على وجود الفاعل رغم  علمه بالفعل، والذكي منهم ينتقل إلى نقطة أخرى في النقاش وهي إن كان يوجد فاعل لفعل طرق الباب فمن هو الفاعل وما هي صفاته ومن أين أتى ؟ ويحاول أن يسطح الموضوع ويشوش على الحقيقة، فهذا مرض فكري لأن نقطة النقاش هي وجود فاعل أو نفيه وليس من هو الفاعل رغم أن سؤاله هو برهان على أنه سلَّم بوجود الفاعل، فيوجد فرق بين التعقل لإثبات حصول شيء أو وجوده – وهذا محل تسليم بين الناس- ومفهوم التصور لهذا الكائن ، وما ينبغي استخدام نفي التصور لنفي الوجود أو الحصول.

وتجد أحدهم ينفي ما هو ثابت لعدم فهمه الحكمة من الفعل أو ما يجري في الواقع نحو نفي وجود مهندس لبرج بناء خليفة  في دبي لأن البيوت في الهند  تقع وحدها أو من تأثير البيئة عليها!

وتجد أحدهم يطلب البرهان على نفي صواب طاعة  زيد وهو ميت، فنقول له: إن زيداً قد مات، وعندما يموت الإنسان لا يستطيع أن يتواصل معك و يأمرك وينهاك في أمور حياتك المعيشية والاجتماعية، ولكن يصر على البرهان العيني على نفي طاعة زيد،  ويخلط المفاهيم  ببعضها  ويأت بمفهوم الإتباع والإمامة والأسوة والقدوة والوصية لإثبات صواب طاعة الميت! رغم أن فعل الطاعة لأحد يستلزم  حياته قائمًا على رأس الأمر ليأمر وينهى ويوجه ويعلم، وهذه من الأمور التي لا يطلب العقل برهانًا عليها  لبداهتها في الواقع، ومع ذلك تجد صاحبنا يكرر: ما البرهان على نفي صواب طاعة الميت؟!

نقول لأحدهم: إن عمل المهندس انتهى مع اكتمال البناء ولم يعد له حاجة، يقول أعطني الدليل على عدم حاجة الناس للمهندس بعد اكتمال البناء، وهكذا الإسلام اكتمل بناؤه وانتهى دور النبيين والرسل الإلهيين، ومع ذلك تجد جماعة تلح على استمرار النبوة الإلهية وتصر على المطالبة ببرهان على نفي حاجة الناس لنبي إلهي رغم وجود البرهان النصي{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }[الأحزاب:40]، فيغتالون العقل ويحرفون معنى النص وبالذات كلمة خاتم إلى معنى الأفضل، فلا هم يفهمون البرهان العقلي ، ولا هم قادرين على فهم دلالة النص، ويصرون بالمطالبة بالبرهان على نفي إمكانية بعث نبي إلهي بعد النبي محمد الخاتمي!

ويأتي أحدهم ويرسم دائرة حتى إذا أغلقها يدَّعي أن ليس لها بداية  حدوث ولا نهاية!

ويأت آخر ويطلب منك أن تبرهن له أن ضلعي المثلث متوازيين! وإن لم تفعل فأنت تهرب من السؤال والنقاش وعاجز وجاهل!أو يسأل ما ماوزن البرهان الرياضي أو طوله أو عرضه! أو يطلب منك أن يتذوق طعم البرهان الرياضي أو يشعر بحرارته!

ينبغي العلم أن السؤال اللامنطقي لايوجد جواب منطقي له، وعدم تعقل أو تصور السؤال عند السائل ينفي عنه فهم الجواب له، ولذلك معرفة السؤال هو نصف الجواب، وعندئذ يتم تحديد البرهان من جنس الفكرة محل السؤال.