برهان مفهوم السببية بحكم الاستقراء التام وليس ناقصًا
برهان مفهوم السببية بحكم الاستقراء التام وليس ناقصًا
اليقين قبل أن يصير يقينًا كان في مرحلة الشك والدراسة والظن والافتراض ويصير نظرية وبعد أن يتم البرهنة عليها يصير يقيناً ثابتاً ولا يتغير ، التغير والتعديل والتطوير يُصيب الظن والفرضية والاحتمال والنظرية ولا يصيب اليقين وإلا لم يكن يقيناً ابتداء!
المصطلحات والتقسيمات والتعريفات غير مُلزمة وليست هي برهانًا على شيء و نتيجة الفهم الخطأ للاستقراء والتأثر بالاصطلاحات والتقسيمات تم الحكم من قبل بعضهم على مفهوم السببية أنه استقراء ناقص، وذلك تأثرًا بتقسيم أرسطو للاستقراء تام وناقص، رغم أن تعريف الاستقراء التام عند أرسطو حالة ذهنية لا يمكن أن تحصل في الواقع لأنه يستحيل إجراء دراسة وتجربة على عموم عناصر الشيء محل الدراسة في الوجود كله وخاصة أن الشيء متنامي ويتوالد ويتكاثر ويتسع!.
وبعيداً عن سلطة الاصطلاحات وتأثيرها، ودراسة مفهوم السببية في الواقع على ما هو عليه نلاحظ أن قاعدة السببية برهانها بحكم الاستقراء التام يشمل كل العناصر محل الدراسة التي هي من جنس الشيء المعني وهو قطعي في الحكم وليس ناقصاً أو قاصرًا، وكلمة (تام) لا نعني بها مفهوم أرسطو وإنما نعني بها أن ما ينطبق على العناصر محل الدراسة يشمل كل العناصر من جنسها ونوعها، فلا يصح الخلط بالمواضيع والتمسك بالتعاريف السابقة والتقسيمات دون علم ولابينة ولاتفكير.
يوجد منطق مخادع نتيجة الاصطلاحات والتقسيمات ، احذروا ذلك، والمشكلة بفهم الدارس و عدم تحرره من المصطلحات والتقسيمات وتعامله مع الفكرة بشكل قاصر .
الاستقراء في الواقع يتعلق بطبيعة الشيء ونوعه ويختلف من مادي أو معنوي ، فمثلًا عندما يتعرض الحديد للحرارة يتمدد وعندما نقوم بالتجربة ذاتها على أي معدن آخر ونجده يتمدد، نستقرئ أن كل معدن له خواص المعادن تلك يتمدد في حال تعرض للحرارة، ولا حاجة للقيام بالتجربة على كل معادن الكون، وهذا الاستقراء التام قطعي في حكمه على مادته ومحل تعلقه.
وكذلك عندما نلاحظ في الواقع كتجربة أن كل فعل له سبب وفاعل، وكل حركة لابد لها من قوة تحركها، بصرف النظر عن معرفة الفاعل أو القوة ،ولا يتخلف ذلك أبداً نستقرئ أن الفعل لابد له من فاعل ضرورة لازمة استقراء تاماً، ولا يصح أن نفترض أنه يمكن أن يوجد أفعال تحصل دون فاعل في خارج محيطنا المعرفي مثل افتراض الأكوان الموازية ، لأن هذا افتراض ذهني لا قيمة له ولا يصح التعامل معه ولا نقاشه لأنه خلاف الحقيقة ، ولا وجود لشيء خارج الزمان والمكان سواء أكان ضمن دائرة المعرفة الإنسانية أو لم يدخل بعد لدائرة المعرفة، وسواء وُجد أكوان متوازية أم لم يوجد فهي داخلة في مفهوم الوجود الحادث ضرورة وبصرف النظر عن تغير الشكل أو القوانين النسبية التي تحكمها، وقاعدة السببية تشملها، فالقاعدة ثابتة استقراء وتصح على كل ما يوصف بالفعل والحدوث، وإن أردت افتراض نفي قاعدة السببية عن وجود معين فهذا يلزمك إثبات وجود غير حادث وبالتالي خارج الزمان والمكان ، ونحن نثبت ذلك للخالق فهو الوحيد الأزلي والسرمدي خارج الزمان والمكان ولا ينطبق عليه قاعدة السببية التي تتعلق بالفعل الحادث.
فهل عند هؤلاء الشيء الحادث له قاعدتين ؟
حادث معلوم يطبق عليه قاعدة السببية وهي يقين، وحادث غير معلوم يفترضون نفي قاعدة السببية عنه أو يشكون في وجودها؟
ألا تلاحظون أنهم يناقشون أمراً ذهنياً يفترضوه ويريدون بناء على ذلك أن يثبتوا وينفوا أو يجعلوا اليقين ظنياً!
تعاملوا مع الواقع واليقين وابنوا عليه مفاهيمكم واتركوا تخيلاتكم وظنكم ووهمكم ، واعلموا أن موقفكم من قاعدة السببية وتأرجحكم بها بين اليقين الأرضي ، والظن الكوني كمثل من يقول : إن الفعل على الأرض لابد له من فاعل ضرورة ، ولكن في المريخ يمكن أن يحصل الفعل دون فاعل أو سبب ؛ فالأمر احتمالي ولا نستطيع أن نثبت ذلك إلا إن صعدنا على المريخ ورأينا ذلك بأنفسنا وكذلك على كل كوكب أو مجرة ! ولذلك يُنهون نقاشهم بقولهم: لا ندري، والعلم لم ينته، والبحث مازال جاريًا!
فتأمل يا صاحبي وتدبر
اضف تعليقا