حوار منطقي قرءاني لتفكيك ثنائية التشريع الديني
حوار منطقي قرءاني لتفكيك ثنائية التشريع الديني
وإبطال هيمنة الظني على القطعي
التراثي: إن القرءان هو المصدر الأول للدين، ونحن نؤمن بكماله المطلق، ولكنه جاء بالكليات، ولا بد لنا من الروايات لتفصيل مجمله، وتقييد مطلقه، وأحياناً تستدرك عليه بتشريع جديد أو تحريم ما سكت عنه القرءان، فالقرءان أمر بالبيان في قوله تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} (النحل: ٤٤)، وأمر بأخذ ما يأتينا به الرسول في قوله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر: ٧)، وكذلك ذكر أن النبي يعلمنا الكتاب والحكمة في قوله {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: ١٢٩)، وأشركه الله في التحريم في قوله {مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} (التوبة: ٢٩)، وقال عنه صراحة {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: ١٥٧)، ولولا هذه الروايات فكيف نصلي الصلوات الخمس ونعلم عدد ركعاتها وهي لم تذكر مفصلةً في القرءان، ومن يرفض ذلك يتهم القرءان بالنقص ويفتح باب الاختلاف بين الناس؟.
الباحث القرءاني: هذا الطرح يوقعك في أغلوطة منطقية باطلة تماماً، ويؤسس لخلل معرفي خطير يتصادم مع محكم التنزيل، فأنت تدعي منطقياً أن القرءان كاملٌ ومحفوظٌ ومقطوعٌ بأنه من عند الله، ثم تناقض نفسك مباشرةً زاعماً أنه يحتاج إلى استدراك وتكميل من رواية ظنية من كلام البشر، وكيف يستقيم في العقل أن يُستدرك على المطلق الكامل والقطعي الثبوت بنص بشري ظني الثبوت يخضع لأهواء الرواة وضعف الذاكرة البشرية، إن الخالق ينفي أن يكون للظن أي قيمة أمام الحق القطعي بقوله {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (يونس: ٣٦).
أما قولك القرآن مصدر الدين الأول فهذا كلام يلزم منه عندك وجود مصدر ثاني وثالث ، وبما أن القرآن هو الأول فافتراض التعددية بالمصادر بعده يعني أنها تابعة له ولا تستدرك عليه ولا تنقضه فهو المهيمن والحاكم عليها، ويلزم من كلامك أيضًا أن تكون المصادر التابعة لها قوة ثبوت القرآن وحجيته، وهذا غير متحقق بها ناهيك عن أنها مصادر وضعية لا تنسب لله، بل هي فهم بشري وادعاء ولذلك كلها محل اختلاف ونقاش بين الفرق الإسلامية ، فكيف تكون مصادر يبنى الدين عليها؟!.
أما استدلالك باقتطاع الآية لتثبت مهمة التبيين من خارج القرءان فهو خلل في المنهج، وعليك أن تقرأ النص مع ما قبله لتفهم السياق، حيث يقول تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: ٤٣ – ٤٤)، فالذكر هنا هو القرءان ذاته، ومهمة التبيين للرسول هي تلاوته وإظهاره للناس عموماً وخاصة لأهل الكتاب ليصححوا ما تحرف من كتبهم على موجب القرءان، اقرا هذا النص لتفهم دلالة التبيين: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }آل عمران187، هل تبيين الذين أوتوا الكتاب هو استدراك على الكتاب وتشريع أم ضد الكتمان؟!.
فلا يوجد في النصين أي دلالة على مصدرية الرواية وأنها هي المعنية بالتبيين للقرءان، فالقرءان مبين بذاته ودلالة كلمة مبين اسم فاعل من الفعل الرباعي أبان وهو فعل متعدي يعني هو يقوم بفعل البيان لك لأنه نور وهدى، والخالق يصف كتابه بأنه {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (النحل: ٨٩)، فكيف تدعي أنه سكت عن تشريعات ثم جاءت الرواية لتستدرك عليه؟ كما أن الكتاب نزل مفصلاً وليس مبهماً {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }الأنعام114
{وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ }يونس37
التراثي: ولكن الخالق أمرنا بأخذ كل ما يأتينا به الرسول في قوله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر: ٧)، وهذا نص صريح في أخذ الروايات والتشريعات منه،
الباحث القرءاني: هذا من أسوأ أنواع اجتزاء النصوص وعزلها عن سياقها لتطويعها لغير ما نزلت له، فلا يجوز أن تقتطع جملة من نص دون إكماله، فالنص كاملاً يقول {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر: ٧)، فمحور النص يتكلم بوضوح عن توزيع أموال الفيء، وهو أمر إجرائي وإداري بحت وليس تشريعاً دينياً منفصلاً، وعبارة وما آتاكم تعني وما أعطاكم من هذه الأموال، وعبارة وما نهاكم تعني وما منعكم منه، كما قال ابن عباس وهو مصيب بذلك، فكيف تحولون نصاً إدارياً عن الأموال إلى قاعدة لتشريع الروايات الظنية؟.
وتفعيل النص يكون ضمن محوره والحقل الذي أتى فيه.
التراثي: حسناً وماذا عن الحكمة، ألم يقل تعالى {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: ١٢٩)، فما هي الحكمة إن لم تكن هي الروايات والسنة التي جاء بها النبي مستقلة عن الكتاب؟
الباحث القرءاني: هذا أيضاً فهم يبتعد عن دلالات التنزيل الحكيم، فالنص يقول {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة: ١٢٩)، والحكمة من خلال القرءان تُعرف بأنها منهج منطقي وفصل للخطاب وصفة لأحكام نزلت بالقرءان نفسه، وليست مصدراً دينياً مستقلاً عن الكتاب يأتي بروايات خارجية، والدليل القاطع على ذلك أن الحكمة تؤتى للنبيين ولغير النبيين من البشر، كما قال تعالى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (البقرة: ٢٦٩)، فلقمان أوتي الحكمة ولم يكن نبياً يوحى إليه بروايات تشريعية، فالحكمة هي القدرة على وضع الأشياء في مواضعها واستنباط الصواب من خلال المنهج القرءاني.
التراثي: إن الروايات التي نطق بها النبي هي وحي بنص {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: ٣ – ٤).
الباحث القرءاني: لا تقتطع شيئاً من سياقه ومنظومته، فالنص خلال السياق وما قبله يدور حول القرءان فهو محل النقاش والاختلاف بين الرسول وقومه، وبالتالي نطق الرسول بالقرءان هو وحي لا شك به، وليس نطقه بالأحاديث فهي لم تكن محل نقاش بينه وبين قومه، ومع العلم أن كبار المفسرين قالوا: إن ذلك يقصد به القرءان حصراً.
التراثي: ولكن ماذا عن التحريم، ألم يشرك الله رسوله في التحريم في قوله {مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} (التوبة: ٢٩)، وهذا يثبت أن للرسول حق التحريم المستقل،
الباحث القرءاني: دعنا نكمل النص كاملاً لنفهم الدقة اللسانية، يقول تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: ٢٩)، واشرح لك هنا أن التحريم لله فقط، ولذلك لم يتكرر فعل التحريم مرة ثانية قبل كلمة الرسول، فلم يقل وما حرم رسوله، بل أتى بكلمة الرسول معطوفة لتؤكد أن مهمة الرسول هي التبليغ والتلاوة لما حرم الله حصراً، وليس الاستدراك على ما أنزل الله وتحريم ما سكت عنه، فالتشريع والتحريم حق خالص للخالق وحده، والتحريم بغير نص إلهي قطعي هو افتراء كما قال تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس: ٥٩)،
التراثي: وكيف ترد إذن على قوله تعالى {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: ١٥٧)، أليس هذا دليلاً قاطعاً على أنه يحل ويحرم بشخصه؟
الباحث القرءاني: إن الاتباع في هذا النص واضح جداً أنه للرسول (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ )، وكلمة (النبي الأمي) هي وصف وتعريف بهذا الرسول لتحديده، وتتمة النص التي تقول يحل لهم ويحرم عليهم هي أفعال تتم من خلال مقام الرسول كتلاوة وتبليغ لما يوحى إليه من القرءان، وهذا الفهم ضروري ليصير انسجام مع منظومة الحاكمية لله من خلال كتابه القرءان، وإلا وقعت بتناقض صارخ بين مفاهيم القرءان وآياته التي تحصر التشريع بالله، فمقام النبي هو الإمام والداعية والمعلم الذي يجتهد ويخطئ في شؤون الحياة ولذلك عوتب في القرءان بصفة النبوة كما في قوله {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} (التحريم: ١)، بينما مقام الرسول متعلق حصراً بتبليغ الرسالة ولذلك لا يوجد في القرءان كله أمر بطاعة النبي لشخصه، بينما نجد الطاعة تتعلق بالرسول دوماً كما في قوله {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: ٨٠)، وهذا يعني أن تعلق الطاعة بما يبلغ الرسول ويتلو وليس طاعة لشخصه المستقل بالتشريع.
التراثي: وماذا تقول بنص {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (النساء: ٥٩)، وقد قلت في جوابك سابقاً إن فعل الطاعة الواحد يكون لله ومهمة الرسول التلاوة والتبليغ، فكيف تفهم هذا وقد أتى فعلان مستقلان طاعة لله وطاعة للرسول؟
الباحث القرءاني: لا يصح بناء مفهوم من نص واحد بمعزل عن منظومة القرءان، وخاصة موضوع الحاكمية لله وأن مصدر الدين هو القرءان فقط، ولا يصح ضرب نصوص القرءان ببعضها، فالنص كاملاً يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: ٥٩). وبتحليل هذا النص، نجد أن فعل الطاعة لله مستقل وواضح أنه يتعلق بالدين من خلال مصدره القرءان، وهذه دائرة مغلقة، أما فعل الطاعة الآخر الذي تعلق بالرسول فقطعاً هو خارج دائرة طاعة الله الدينية، وليس هو إلا في دائرة الحلال من خلال التنظيم والإدارة له في المجتمع، والدليل أن أولي الأمر لم يأت لهم فعل طاعة ثالث، بل عطفوا على طاعة الرسول، فكيف تفهم طاعة أولي الأمر؟ وهي ذاتها طاعة الرسول في هذا النص، ولم يتم استخدام كلمة النبي لأن النبوة مقام شخصي زمكاني يتوقف بوفاة الشخص، فأتت كلمة الرسول لتبقي مفهوم الطاعة مستمراً بعده لكل من يكون في مقام الرسول كمبلغ وتالٍ للقرءان وداعية ومعلم، وطاعة أولي الأمر تتعلق بهذا، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق أبداً، وإنما الطاعة بالمعروف.
التراثي: وإذا نفينا كل هذا، فكيف نصلي الصلوات الخمس ونعلم عدد ركعاتها،
الباحث القرءاني: يجب أن تفرق بوضوح بين حاكمية القرءان الدينية ، وبين المفهوم المتعلق بالتطبيق العملي لحكم تعبدي نزل أصله في القرءان، فالصلاة نُقلت بالتتابع العملي المتوارث جيلاً عن جيل كشعيرة حية مارسها المجتمع، ولم تُؤخذ من أسانيد الروايات الآحادية، والمسلمون يصلون قبل انتشار مادة الرواية والتدوين، وهنا يجب أن تدرك الفرق الجذري بين مفهوم السنة بوصفها طريقةً وتطبيقاً عملياً، وبين مفهوم الحديث بوصفه روايةً تخضع لعنعنة السند وتقييم الرجال، فالرواية الحديثية هي محل اختلاف كبير بين الفرق الإسلامية ولكل منها مرجعيتها الحديثية الخاصة بها التي تكفر عبرها الفرقة الأخرى، بينما القرءان العظيم محل اتفاق مطلق بأنه قطعي الثبوت ومحفوظ وأنه من عند الله، فكيف تجعل المختلف عليه ظنياً مستدركاً على المتفق عليه قطعياً.
التراثي: ولكن أجمعت الأمة على أن السنة مصدر ثانٍ، ومضى على ذلك أكثر من ألف عام، فهل يعقل أن يكون هؤلاء جميعاً على خطأ؟
الباحث القرءاني: ينبغي أن تفرق بين مفهوم السنة ومفهوم الروايات ، فقولك عن الروايات أنها السنة هو خطأ فاحش وهذا تدليس مارسه معظم الفقهاء لتمرير الروايات تحت مفهوم السنة ، وقالوا: مصدر الدين الثاني هو السنة، بينما حقيقة هم استبدلوا السنة بالروايات، و والاصطلاح الذي وضعوه لتعريف السنة يخالف اللسان العربي والقرآن فهو مردود وباطل لأن السنة هي الطريقة العملية الثابتة اقرا : {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الفتح23 ، وهل يصح برأيك إجماع الناس على خلاف الحق المتمثل بالقرءان؟ وعلى افتراض صحة هذا الإجماع المزعوم، وهو افتراءٌ لم يحصل أصلاً، فهل يجعل ذلك منه برهاناً ومصدراً دينياً وهو لم يكن له وجودٌ عند نزول الوحي، وبعد توقف الوحي واكتمال الدين ووفاة النبي، يصير أي أمر مستدرك أمراً خارجاً عن الدين ولا قيمة له أبداً، ومضي الزمن أو الكثرة بقول معين لا قيمة له في العلم والمنطق والقرءان، فالقرءان يذم الكثرة ويحذر من التقليد الأعمى للآباء، كما في قوله تعالى {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} (الأنعام: ١١٦)، وقوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: ١٧٠)، واعلم يقيناً أن هذه الطريقة في التفكير والاحتجاج بالماضي والأسلاف هي ذاتها طريقة فرعون عندما جابه النبي موسى محاولاً الهروب من البرهان القاطع عبر التستر بالكثرة الغابرة، حيث قال {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ} (طه: ٥١)، فجاء جواب النبي موسى ليقطع شبهة فرعون من أساسها، ويرد الأمر إلى علم الخالق المدون والمحفوظ بعيداً عن أهواء البشر، حيث قال {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ} (طه: ٥٢)، فالحق لا يُعرف بتقادم الزمان ولا بكثرة الأتباع، بل بانسجامه التام مع محكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل.
وهنا خيم الصمت المطبق على التراثي وأسقط في يده، بعد أن تملكته حيرة شديدة زلزلت ركائز قناعاته الموروثة، فقد تجلى له بالبرهان القاطع مدى قصوره المعرفي، وأيقن أنه كان يعيش اغترابًا منهجيًا عن حقائق المنطق وقواعد اللسان ومحكمات التنزيل الحكيم، وفي تلك اللحظة الفارقة تهاوى بنيانه الفكري وتصدعت حججه الواهية أمام صرامة الميزان اللساني وعلمية البيان العربي، فهذا الإحكام القرءاني المطلق قد نسف وإلى الأبد تلك الأغلوطة المعرفية الكبرى التي سوغت للعقل البشري الاستدراك على كلام الخالق التام، ومحاولة تقييد كماله الإلهي بمرويات ظنية تناقلتها ألسنة البشر، ليدرك يقينا أن الوحي المحفوظ لا يقبل الشراكة في التشريع، وأن كمال الدين لا يفتقر إلى استدراك بشري يسلبه قداسته وهيمنته المطلقة.
samer Islamboli2026-07-10T10:05:22+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
اضف تعليقا