نقد كتاب

“بحثاً عن القرءان الأصلي: التاريخ الحقيقي للنص الموحى” للدكتور منذر صفر

أولاً: ملخص أفكار الكتاب

يعتمد منذر صفر في كتابه على تفكيك بنية النص القرءاني من خلال الربط بين القراءات التاريخية، والدراسات اللغوية، والنقد النصي، مستنداً إلى فرضيات استشراقية حديثة، وأبرز نقاط الكتاب هي:

  1. القرءان كعملية تطورية: يرى الكاتب أن القرءان لم ينزل دفعة واحدة أو يكتمل في حياة النبي بالشكل الذي نعرفه، بل مرّ بمراحل تدوين وتطوير طويلة، معتبراً أن النص الذي بين أيدينا هو نتاج تجميع وتحرير قام به “محررون” أو “مدونون” لاحقاً، وليس بالضرورة هو ما نطق به النبي.

  2. تعدد اللغات: يطرح الكاتب فرضية أن النص القرءاني يحتوي على طبقات لغوية مختلفة، وتأثيرات من لغات أرامية وسريانية، ويحاول إرجاع بعض الكلمات القرءانية إلى أصول غير عربية، معتبراً أن فهمها في سياقها الأصلي (الذي قد لا يكون عربياً فصحى) يغير دلالة النص.

  3. إعادة قراءة التاريخ: يجادل بأن الروايات التراثية التي تتحدث عن جمع القرءان في عهد أبي بكر وعثمان هي روايات “أسطورية” أو متأخرة صُنعت لإضفاء شرعية على النص الحالي، وأن واقع التاريخ كان أكثر تعقيداً وغموضاً.

ثانياً: النتيجة التي وصل إليها (هل القرءان محفوظ أم محرف؟)

بناءً على هذا المنهج، يصل الدكتور منذر صفر إلى نتيجة تنفي مفهوم “الحفظ” بمفهومه التراثي القطعي، ويمكن تلخيص موقفه في الآتي:

  • نفي الحفظ المطلق: الكاتب لا يؤمن بأن القرءان الحالي هو نص إلهي محفوظ حرفياً من التحريف والتبديل، بل يراه نصاً بشرياً في صياغته وتجميعه، خضع لعمليات تحرير، وحذف، وإضافة، وتعديل عبر القرون الأولى للإسلام.

  • التحريف كعملية تاريخية: النتيجة التي يصل إليها هي أن النص قد “تغير” و”تشكل” عبر التاريخ بفعل التغيرات السياسية، والدينية، واللغوية. بالنسبة له، ليس هناك “قرءان أصلي” واحد نزل من السماء، بل هناك “نصوص أولية” خضعت لعمليات إعادة صياغة حتى استقرت على هذا الشكل.

  • الخلاصة: من وجهة نظر الكاتب، فإن ما نعتبره “قرءاناً” هو نتاج تطور تاريخي طويل، والادعاء بقدسيته وحفظه هو جزء من المنظومة العقائدية التي تشكلت لاحقاً، وبالتالي، هو يرى أن “التحريف” (بمعنى التغيير والتبديل عن النص الأصلي المفترض) هو جزء طبيعي من تاريخ أي نص ديني، والقرءان ليس استثناءً من هذه القاعدة التاريخية.

نقد أطروحة الكتاب

    إن الإشكال الجوهري في أطروحة الدكتور منذر صفر، وفي المدرسة التي ينتمي إليها والممتدة إلى منهج “تيودور نولدكه” ومن سار على نهجه في دراسة تاريخ القرءان، لا يكمن في النتائج التي انتهوا إليها فحسب، بل في المنطلق المعرفي الذي انطلقوا منه. فقد افترضوا منذ البداية أن القرءان نص مادي يخضع للقواعد نفسها التي تخضع لها الوثائق البشرية، ثم شرعوا في تطبيق مناهج نقد المخطوطات عليه، فجاءت نتائجهم منسجمة مع مقدماتهم. غير أن هذا المنهج يغفل حقيقة جوهرية، وهي أن القرءان لم ينزل ابتداءً بوصفه مخطوطة، وإنما نزل بوصفه ذكراً متتابعاً بلسان عربي مبين، ثم جاءت الكتابة لاحقاً لتكون وسيلة لضبط هذا الذكر لا مُنشأً له. ومن هنا فإن تصحيح مسار البحث يقتضي الانتقال من مفهوم المادية التاريخية إلى مفهوم الظاهرة الصوتية المتتابعة التي نزل بها القرءان، وذلك وفق المحاور الآتية.

أولاً: وهم الأصول المادية

يقع الباحث في خطأ منهجي حين يجعل غياب المخطوطة النبوية الأصلية دليلاً على احتمال ضياع شيء من النص أو تغييره، لأن هذا الافتراض يبنى على تصور أن الأصل الأول للقرءان كان كتاباً مادياً، بينما ينقض القرءان نفسه هذا التصور.

قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الأنعام: 7.

وأداة لو تدل على امتناع ما بعدها، فهي تفترض حالة لم تقع، وهي تنزيل القرءان في قرطاس يلمسه الناس بأيديهم. ولو كان القرءان قد نزل ابتداءً في صورة مخطوطة لما صح هذا الأسلوب القرآني. وهذا يدل على أن الوحي لم يبدأ وثيقة مكتوبة، وإنما بدأ ذكراً يُلقى إلى الرسول، فيتلقاه بقلبه ويبلغه بلسانه، ثم ينتقل إلى الناس بالتتابع.

ومن ثم فإن البحث عن “الأصل” في الرقوق والجلود والمخطوطات هو انتقال إلى وعاء متأخر، لا إلى مَنشأ الوحي نفسه. فالأصل الحقيقي للقرءان ليس الورق ولا الحبر، بل الذكر الذي نزل بلسان عربي مبين، أما الخط فليس إلا اصطلاحاً بشرياً نشأ لضبط  تلاوة هذا الذكر بعد استقراره وانتشاره.

ومن هنا يتبين أن الخلط بين الوعاء المادي والوحي المتلو هو أصل الإشكال في هذه المدرسة؛ لأن المخطوط يمثل وسيلة لحفظ النص، أما النص نفسه فقد وجد قبل المخطوط، مستقلاً عنه، ومتداولاً بين الناس بصورته الصوتية.

ثانياً: التتابع معيار الحفظ لا الرسم

إن حفظ القرءان لا يقوم على وجود نسخة مادية أصلية، وإنما يقوم على ظاهرة التتابع الصوتي التي نشأت منذ بداية التنزيل، واستمرت دون انقطاع حتى يومنا هذا.

لقد كان الوحي ينزل على الرسول خلال ثلاث وعشرين سنة، فيتلقاه، ثم يبلغه مباشرة، فيتلقاه عنه المجتمع، ثم يعاد ترديده في الصلاة، والتعليم، والمجالس، والحياة اليومية، حتى أصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية عامة، لا رواية فردية تنتظر سنداً يثبتها.

ولهذا فإن نقل القرءان لا يخضع لمنطق العنعنة الذي يختص بالأخبار والروايات، لأن العنعنة إنما تستعمل فيما يحتمل الانقطاع أو النسيان أو الجهالة، أما القرءان فقد تجاوز هذه المرحلة منذ حياة الرسول، وأصبح ظاهرة متتابعة تشارك في نقلها الأمة بأسرها، جيلاً بعد جيل بشكل متصل، حتى ارتقى فوق مفهوم السند الفردي، وصار وجوده التاريخي قائماً على الاتصال الجماعي المستمر.

وهذا التتابع المستمر يجعل تصور التحريف أو الزيادة أو النقصان تصوراً غير ممكن منطقياً، لأن أي تغيير كان سيصطدم مباشرة بوعي جماعي متصل، يمارس الذكر نفسه في كل زمان ومكان.

ويؤكد القرءان هذا الأصل بقوله تعالى:

﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ العنكبوت: 48.

فالرسول لم يكن يعتمد على مخطوط يتلو منه، ولم يكن ينسخ الوحي بيده، وإنما كان يتلقى الذكر ويبلغه كما تلقاه، ثم جاء التدوين بعد ذلك ليكون وسيلة اصطلاحية لضبط المنطوق، لا مصدراً للوحي.

مع العلم أن النبي كان قارئاً وكاتباً والمنفي عنه هو تلاوة المخطوط أو خطه بيده.

ولهذا فإن الرسم العثماني ليس وحياً، وإنما هو جهد بشري لتنظيم كتابة الذكر، ولذلك فإن أي اختلاف أو خطأ في المخطوط لا يصحح بالرجوع إلى مخطوطة أقدم، وإنما يصحح بالرجوع إلى الذكر المتتابع الذي نشأ قبله واستمر بعده.

ثالثاً: طبيعة اختلاف التلاوات

يغفل الباحث عن حقيقة اختلاف التلاوات، فيتعامل معها كما لو كانت دليلاً على اضطراب النص، مع أنها لا تمثل اختلافاً في بنية القرءان، وإنما هي اختلافات محصورة في ألفاظ محددة وصيغ معلومة، كالحركات، والإفراد والجمع، والتذكير والتأنيث، والضمائر، وبعض الهيئات الصوتية.

وهذه الاختلافات لا تمس وحدة الرسالة، ولا تنشئ نصوصاً متعددة، ولا تؤدي إلى تضاد  أو تناقض في التوحيد أو التشريع أو المقاصد العامة أو الأخبار التاريخية والغيبية.

ولو كانت هذه الاختلافات ناتجة عن اضطراب تاريخي أو عن تدخل المحررين كما يزعم الباحث، لكان من الطبيعي أن يظهر أثر ذلك في بنية الخطاب نفسه، وأن يقع فيه التناقض أو الاختلاف الكثير.

إلا أن القرءان يقرر معياراً حاسماً في هذا الباب، وهو قوله تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ النساء: 82.

ومن ثم فإن اختلاف التلاوات هو اختلاف تنوع داخل إطار النص الواحد، يكشف عن أبعاد دلالية متعددة، دون أن يقدح في وحدة المصدر أو وحدة المضمون.

رابعاً: اللسان نظام صوتي لا نظام خطي

إن القرءان يقرر بصورة متكررة أنه نزل بلسان عربي مبين، ولم يقل إنه نزل برسم عربي أو بخط عربي.

واللسان في دلالته العربية هو نظام النطق والتخاطب، وليس شكل الحروف على الورق.

ولهذا ارتبط تلقي الوحي دائماً بالسمع، لا بالنظر إلى الكتابة.

قال تعالى:

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ لقمان: 7.

وقال تعالى:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ التوبة: 6.

فالحجة تقوم بسماع كلام الله، لا برؤية مخطوطته.

وبذلك يستوي الأعمى مع المبصر، ويستوي من لا يعرف التلاوة الخطية مع من يعرفها، لأن وسيلة تلقي الوحي هي السماع واللسان، لا الخط.

ومن هنا يتبين الفرق الجوهري بين النص المتلو وبين النص المخطوط؛ فالأول هو الوحي المنزل، أما الثاني فهو تمثيل بشري اصطلاحي لذلك الوحي، يخضع لتطور أدوات الكتابة، وأساليب الرسم، والضبط، والتنقيط وفق التلاوة الصوتية، دون أن يكون هو مصدر القداسة أو معيار الحفظ.

خامساً: الاستنتاج المنطقي

إن تطبيق مناهج نقد المخطوطات على القرءان ينطلق من افتراض غير صحيح، وهو أن حقيقة القرءان تكمن في مادته المكتوبة، بينما يثبت القرءان نفسه أن حقيقته تكمن في كونه ذكراً منزلاً بلسان عربي، ثم انتقل بالتتابع حتى أصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية متصلة لا تنقطع.

ولهذا فإن تطور الرسم، أو اختلاف أشكال الكتابة، أو تعدد المخطوطات، لا يمس حقيقة القرءان، لأنه يمس الوسيلة الاصطلاحية التي عبرت عنه، ولا يمس الوحي نفسه.

فالخط تطور، والرسم تطور، والتنقيط والشكل تطورا، وكلها أعمال بشرية خضعت للتطور التاريخي، أما الذكر الذي نزل على الرسول فقد بقي محفوظاً من خلال التتابع المتصل الذي أودعه الله في وعي الأمة ولسانها، وهو التتابع الذي يجعل تصور ضياع شيء من القرءان أو تبديله أو إعادة تحريره تصوراً يصطدم بالواقع التاريخي والمنطقي معاً.

وعليه فإن نقد المخطوطات قد يكون منهجاً صالحاً لدراسة تاريخ أدوات الكتابة، أو تطور الرسم، أو خصائص المصاحف، ولكنه لا يصلح لإثبات وقوع تحريف في القرءان، لأنه يبحث في الوعاء الذي حمل الذكر، لا في الذكر نفسه، ويخلط بين الوسيلة البشرية التي دوِّنت بها كلمات الوحي، وبين الوحي المنزل الذي وجد قبلها واستمر مستقلاً عنها.