مفهوم النكاح في القرءان

نكح: تدل على ستر وضغط خفيف منته بأرجحة شديدة.
وذكر أهل القواميس معنى الكلمة فقالوا :
القاموس المحيط
نكح: الوطء، والعقد له.
ويقال نكح النعاس عينه، إذا غلب عليه، ولاحظوا حركة العين في النعاس كيف تغمض نحو الستر بضغط خفيف ثم تفتح بسرعة لتعود وتغمض وهكذا تتكرر العملية بأرجحة شديدة.
ويقال : نكح المطر الأرض، إذا نزل عليها وتغلغل في باطنها بأرجحة شديدة
فكلمة (نكح) فعل يحصل في الواقع يتمثل به دلالة الأصوات المؤلفة الكلمة منها، وهذا واضح بفعل الوطء للمرأة ومممارسة الجماع معها.
لنقرأ كيف أتى استخدام كلمة (نكح) في القرءان مع الانتباه إلى المفهوم اللساني الملزوم للكلمة والمعنى الثقافي المتعدد اللازم لها حين وقوعها أو حصولها في الواقع ويظهر من خلال السياق وإسقاط الكلمة على محلها من الخطاب
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً }الأحزاب49
النص صريح في ذكر أن النكاح يتضمن أمرين :
نكاح يشمل المس للمرأة ، ونكاح دون مس، ولو كانت كلمة ( النكاح) تعني مجرد العقد لما كان في حاجة لذكر جملة (من قبل أن تمسوهن) وبذكرها دل على أن دلالة كلمة النكاح الأصل بها هو النكاح الذي يشمل المس للمرأة كعلاقة جنسية معها وهذا مقتضى مفهوم الكلمة لساناً ، والسياق يحدد دلالة النكاح ثقافة كمعنى لازم، وعدة المطلقة متعلقة بنكاح المس وليس بنكاح دون مس، وهذا يدل على أن المشرع يتعامل مع الفعل والواقع وليس مع الشكل.
ولنتابع القراءة
{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }البقرة235
كلمة(عُقْدَةَ النِّكَاحِ) تعني أنه يوجد عقد ويوجد نكاح محل العقد ، ولايصح لساناً أن يكون العقد مجرداً يعني النكاح، كما أنه لايصح كلمة ( النكاح ) لساناً مجردة تعني العقد، والصواب هو (عقد النكاح) لتعلق العقد بغير النكاح أيضاً فهو مجرد اتفاق وتعهد صريح بين طرفين على شيء ما، وعندما يريد المشرع معنى معين لازم من كلمة النكاح يذكر ذلك خلال النص كما في النص السابق {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً }الأحزاب49، ذكر النكاح ونفى حصول المس الذي هو مقتضى عقد النكاح ، وهذا يدل على أن كلمة النكاح في الواقع التشريعي الثقافي اللازم وليس اللساني تتضمن عدة أمور:
عقد النكاح، والمس، والقدرة على ممارسة النكاح، وسياق النص يحدد هل يقصد بكلمة النكاح الأمرين (العقد والمس) أم عقد النكاح وحده أم المس أم القدرة على المس وظيفياً، مع العلم أن عقد النكاح سمي بذلك لأن النكاح هو محوره والأصل فيه، ولذلك لو اشترطت المرأة أو ولي أمرها في العقد عدم الوطء لكان شرطها باطل لأنه ينقض أصل العقد.
نتابع استخدام كلمة النكاح في القرءان
1- كلمة النكاح بمعنى (العقد والمس)
{ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً }الأحزاب53
النهي عن عقد النكاح ومس أزواج النبي.
{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ }القصص27
{وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }البقرة221
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }النساء3
{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً }النساء127
{وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }النور32
2- كلمة النكاح بمعنى حصول العقد دون المس
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً }الأحزاب49
3- كلمة النكاح يمكن أن تكون عقداً فقط ويمكن أن يرافقها مس حسب الظروف في الواقع
{فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }البقرة230
المرأة التي تطلقت من زوجها طلاق بائن لا يحل لها أن ترجع له إلا بعد أن تدخل تجربة زواج أخرى جادة دائمة بنية الاستقرار، ولكن إن حصل أن زوجها الثاني توفي ولم يمسها بعد فهذا يسمى نكاحاً ويحل لها أن ترجع لزوجها الأول بعد انتهاء عدة الوفاة، ويمكن أن يكون مسها وتوفي أو طلقها لظرف خاص بهما أيضاً يمكن أن ترجع لزوجها الأول، فكلمة (النكاح) في نص رجوع المرأة لطليقها تفعلت بإجراء عقد النكاح فقط بشرط الجدية في العقد ونية الاستمرار و توقف العقد بسبب الطلاق أو وفاة الزوج، وتمثل بالعقد والمس مع بعض، و كلا الصورتين اسمها نكاح في الاستخدام القرءاني.
4- كلمة النكاح ويقصد بها القدرة الوظيفية على ممارسة النكاح مع الأنثى
{وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً }النساء6
لاعلاقة لكلمة النكاح بالنص بعقد الزواج، وإنما تعني بلوغ اليتامى جسمياً قدرتهم على أداء فعل النكاح كممارسة ، وهذا معروف بسن البلوغ الجنسي، ولايصح القول: المقصد إنه بلوغ اليتامى أهلية إجراء عقد النكاح، فهذا تحريف وإضافة على معنى كلمة النكاح في النص دون برهان ولابينة ، وكان المشرع ذكر ذلك وقال (حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ عقد النِّكَاحَ)، مع العلم يصح عقد النكاح دون سن البلوغ ودون مس ويسمى عقداً فاسداً ويمكن إصلاحه بأخذ موافقتهما حين سن البلوغ
5- كلمة النكاح ويقصد بها المس فقط سواء بعقد شرعي أو دونه
{وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً }النساء22
بما أن المشرع يتعامل مع الفعل والواقع وليس مع الشكل نهى المشرع الابن عن نكاح المرأة التي يمسها الأب سواء أكان المس بعقد نكاح دائم أو عقد نكاح متعة (مأجور) أو نكاح فاحشة .
وبما أن المشرع يتعامل مع الفعل والواقع وليس مع الشكل دل على أن النهي عن نكاح ما نكح الأب يتعلق بنكاح المس بداية المفهوم اللساني الذي هو أصل معنى النكاح وليس مجرد العقد، بمعنى لو أن الأب قام بعقد نكاح على امرأة دون أن يعيش معها كزوج ثم طلقها أو توفي قبل مسها يجوز للابن أن ينكحها، ولاتعتد بعدة الطلاق بخلاف عدة الوفاة ويترتب عليها أحكام الإرث، ولايقولن أحد هذا مرفوض أو غير مقبول فالأمر ليس مزاجياً ولارغبة ولاتصويت وهو أمر مباح وليس واجباً فليس مطلوب فعله ولكنه مباح، ومعروف القاعدة التي تقول: كل حرام أو منهي عنه مرفوض ومحظور، وليس كل مباح مقبول أو مناسب، فالأمر تشريع لمباح ومتروك ممارسته للناس حسب مايرونه مناسباً لهم دون إلزام لأحد به .