منهــج دراسة النصوص التي تناولت قصة السيد المسيح

إن الوجود الموضوعي والسنن هي الأصل والأقوى في فهم النصوص اللسانية، وما ينبغي بناء مفهوم موضوعي من أهداب نص لساني بمعزل عن الواقع والسنن والأمور الثابتة المحكمة، وأي نص لم نستطع دراسته وفهمه يتوقف دراسته حالياً ولا ننقض المفاهيم الثابتة موضوعياً وقرءانياً وتكون هذه المفاهيم هي المنظومة التي تحكم دراسة أي نص جزئي وتوجهه وتحكم المعنى فيه ، وما ينبغي بناء مفهوم ظني من نص واحد يخالف المنظومة كلها ونصل إلى مفهوم هزلي مضحك خرافي كما يفعل معظم المفسرين من خلال عضوضة النصوص القرءانية، فالحكم والفصل للمنظومة ويفهم النص الجزئي وفقها ويحكم بها . وهذه الأخبار الإيمانية لابد أن تثبت بالنص القرءاني القطعي الدلالة وليس بأحاديث منسوبة للنبي يصححها زيد ويضعفها عبيد وهي محل أخذ ورد ! والانتباه إلى أن مفهوم المخلِّص مفهوم تراثي موجود في معظم الملل وكلهم ينتظرون مخلِّصاً يقودهم وينتصرون به على غيرهم قتلاً وحرباً وتدميراً، وهو مفهوم خرافي مبثوث في ثقافة الملل الضعيفة والمنهزمة لتبقى تنتظر مخلصها الذي لن يأتي أبداً، ويبقون مستعبدين من قبل فراعنتهم وهاماناتهم. وهذه مجموعة من المفاهيم تشكل منظومة واحدة متماسكة وهي ليست للحصر التي ينبغي أن تؤخذ بعين الجدية حين البحث في النصوص المتعلقة بوفاة النبي عيسى عليه السلام والنظر إليها من خلال المنظومة وما تثبته .
1- الموت حق على كل الناس ولا يوجد استثناء منه لأي كائن كان. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }الأنبياء35
2- من يموت يتوفى الله نفسه و لا يرجع إلى الدنيا أبداً. {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ }الأنبياء95
3- الوصاية الإلهية ارتفعت عن الجنس الإنساني بكمال الدين وبختم النبوة، فلماذا تعود بعد ارتقاء الجنس الإنساني وتقدمه في التطور؟
4- النبي محمد هو خاتم النبيين ولا نبي بعده{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }الأحزاب40
5- الدين كمل بنزول القرءان وهذا اقتضى ختم النبوة الإلهية، وبالتالي لا حاجة لبعث أو نزول أي نبي إلهي { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ }المائدة3
6- القرءان محفوظ كذكر {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9
7- ما فائدة نزول النبي عيسى في آخر الزمن قبل انتهاء مرحلة الحياة الدنيا بقليل، أليس الأجدر أن ينزل الآن والأمة في أمس الحاجة لمن يقودها ويوحدها؟
8- هل يمكن لإنسان يُستقدم من التاريخ أن يحكم الحاضر؟
9- هل يمكن لإنسان لا يعرف القرءان ولم يسمع به ولم يره أن يحكم بالقرءان؟
10- هل يمكن لإنسان لسانه العربي بدائي أن يتعامل مع اللسان القرءاني العربي المبين؟
11- كيف يستمر إنسان بالحياة إلى ما بعد زمانه ويعيش ليواكب العصر وتقدمه؟
12- ألم يقل الله في كتابه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ }الأنبياء34، وكلمة (بشر) تشمل كل الناس نبيين وغير نبيين، وكل إنسان يعيش في عصره، فكيف يصفون النبي عيسى بالخلد في الحياة الدنيا واستمراره إلى ما بعد النبي محمد؟
13- ألم يُبعث النبي عيسى لبني إسرائيل، فكيف يصير للناس جميعاً فيما بعد؟
14- {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ }آل عمران144، وهذا نص واضح وصريح بأن رسل الله من الأنبياء كلهم خلوا من قبل النبي محمد بمعنى مضوا وانتهى دورهم وخرجوا من الدنيا وفاة بحالة الموت أو قتلاً، والنبي محمد نفسه أيضاً ممكن أن يموت أو يُقتل في آخر عمره بعد إتمام مهمته الرسالية، فكيف ينزل النبي عيسى في آخر الزمن؟ ألم يخلو من قبل النبي محمد ويمضي إلى غير رجعة؟
15- وبما أن الدين كامل برسالة الإسلام التي أُكملت وجُمعت في القرءان فهذا يعني أن النبي عيسى على افتراض نزوله سوف ينزل دون وحي تشريعي ولا كتاب معه وسوف يحكم بالقرءان ويطبقه فهو متبع للنبي محمد، إذاً؛ هو واحد مثل أي واحد من علماء الأمة لا ميزة له ولا حجة في فهمه.
16- الإيمان أو الكفر متعلقان بحرية الإنسان ولا يوجد إكراه على أحدهما، ونزول النبي عيسى افتراضاً لن يجعل الناس مؤمنين أو كافرين لأن نزوله لا علاقة له بالحكم على صواب الأفكار، ولا يؤثر على حرية الناس، وهذا يعني أن نزوله أو عدمه سواء.
17- هل النبي عيسى عنده علم يصلح لأن ينزل في آخر الزمن ويواكب التطور العلمي والمستوى المعرفي للناس ويستطيع أن يتواصل معهم، لأن كل إنسان هو ابن بيئته العلمية والمعرفية واللسانية.
18- أليس النبي محمد الخاتمي أولى بالنزول من النبي عيسى كونه من نزل عليه القرءان وهو الخاتمي فلا ينقض فعل الختم للنبوة؟ ومع ذلك نجد أن النبي محمد قد مات مثله مثل أي بشر لانتهاء دوره الرسالي: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }الزمر30،{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ }الأنبياء34
19- كون النبي محمد خاتم النبيين ولا نبي بعده وعلى افتراض صحة نزول النبي عيسى في آخر الزمن فهذا يقتضي أن يُجَرَّد السيد المسيح من النبوة وينزل منزوع النبوة مثله مثل سائر الناس حتى لا ينقض مفهوم الخاتمية للنبي محمد، وإن حصل ذلك فهذا إنقاص من قيمة النبي عيسى ولم يعد له ميزة على الناس ليطيعوه .
20- دراسة نص قرءاني لسانياً متعلق بفهمه أولاً وتدبره وفق المنظومة لتحديد نوعية الأدوات وعائدية الضمائر ( افهم ثم اعرب) .
21- عدم فهم دلالة نص لايصح استخدامه برهان لبناء مفهوم إيماني .
22- هل رفع النبي عيسى كان للنفس والجسم الترابي معاً؟
فإن كان للنفس فقط فهو وفاة مثل وفاة سائر الناس، والله يتوفى الأنفس حين موتها، وإن كان للجسم أيضاً فهذا باطل لأن الجسم ترابي لا يصلح للعيش في غير مرحلة الدنيا. والذي يقول برفع النبي عيسى حقيقة بجسمه يلزم من قوله أن النبي عيسى في حالة سُبات وغيبوبة فاقد للشعور بالزمن وما يجري حوله ضرورة لأن النبي عيسى نفسه نفى فعل الشهادة على قومه في غيابه لعدم علمه بما جرى بعد وفاته، فكيف ينزل هذا الشخص في زمن متقدم على زمنه بآلاف السنوات وهو مغيب عن الواقع ولا يدري ما حصل وسيحصل يريد أن يقود الناس ويعلمهم ؟
هذه نقاط منطقية فكرية تثبت لمن تدبَّرها إثبات وفاة النبي عيسى موتاً وأنه لن ينزل في آخر الزمن، وأن من يقول بنزوله واهم ولا يملك أي برهان سوى التمسك بأهداب النصوص مع التعضية لها وفهمها بمعزل عن المنظومة الحاكمة للقرءان كله، وعدم تدبر منظومة كل موضوع جزئي المنسجمة مع المنظومة العامة للقرءان بلسانه العربي المبين والكون.