مفهوم الشرك بالله والشرك معه
هل يغضب الله لنفسه
يتساءل كثير من الناس، وخاصة ذوي الشبهات ممن يسمون أنفسهم “ربوبيين” أو “ملاحدة” أو “عقلانيين” لماذا يغضب الله لنفسه ولا يغفر لمن يُشرك به، ولا يغضب على من يُزهق حياة الناس ، ويَنتهك أعراضهم، ويسلب أموالهم بالمستوى ذاته؛ بل ويمكن أن يغفر لهم؟
لمعرفة جواب هذا ينبغي أن نعرف دلالة كلمة الغضب أولاً.
غضب: كلمة تدل على حركة منبثقة من غياب تظهر بدفع شديد جداً منتهية بجمع واستقرار في نهايتها.
وثقافياً ظهر هذا المفهوم بالحالة التي تصيب الغاضب من كراهية ورفض وعدم رضا عن سلوك الآخر .
و ظهور الغضب له وجهين:
أ- غضب ينتج عن وقوع الشر على النفس فيتأذى صاحبها نفسياً أو مادياً،فيغضب لنفسه ، وذلك لأنه تأثر بما حصل ضعفاً وقصوراً واحتياجاً.
ب- غضب ينتج عن انتهاك النظام والأوامر. مثل غضب الأستاذ على التلميذ المقصر في واجباته، أو غضب شرطي المرور النزيه على السائق الأرعن الذي يسير بعكس الاتجاه، أو غضب الطبيب على مريضه إن أهمل الدواء ….الخ، وهذا الغضب ليس لنفس الغاضب وإنما موجه لحماية الآخر من نفسه الخاطئة وحرصاً على مصلحته ، وحماية لمصالح الآخرين، فهو غضب من أجل الخير والعمل الصالح متعلق بمصلحة الناس.
وغضب الله من هذا القبيل فهو لا يغضب لنفسه قط لأنه الحي القيوم الأحد الصمد، فلا يمكن لمخلوق كائن من كان أن يؤذيه على أي صعيد أو ينفعه، فهو مستغن عن الخلق مع احتياج الخلق إليه، ويغضب للناس إن وقع عليهم الظلم واستبيحت أعراضهم وأموالهم وذلك حماية لهم وحرصاً على مصالحهم، فيوجه غضبه على المجرمين المستبدين والمستعبدين من الفراعنة والهامانات و القوارين ومن تبعهم بإجرامهم إلى يوم الدين.
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }آل عمران112
{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }الفتح6
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }النساء93
{مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }النحل106
والفرق بين الغضب واللعن هو أن الغضب حال ينتاب الغاضب، {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }الأعراف154، واللعن فعل متعلق بالآخر من طرد وإبعاد وحجب عن رحمة الله وتوفيقه، و الهلاك له واحتقاره، {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً }النساء52، {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً }الأحزاب61.
إذاً؛ الله لايغضب لنفسه، وإنما يغضب لعباده، ويغضب إذا انتهك أحد أوامره ونظامه الموجه في أصله إلى مصلحة الناس وسعادتهم.
أما كلمة شَرك: فهي تدل على حركة منتشرة مكررة مندفعة بضغط خفيف.
وتستخدم بصورتين :
الفعل الثلاثي: شَرَك ومضارعه يَشرِكُ ، والمصدر شركاً، واسم الفاعل شارك.
الفعل الرباعي: أشركَ ومضارعه يُشركُ، ومصدره إشراكاً، واسم الفاعل مشرك.
وكلمة (شريك) من أشرك الرباعي وجمعها شُرَكاء.
اقرؤوا قوله تعالى:{وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ }النحل86
وقوله{وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي }طه32
والقرءان لم يستخدم كلمة (الشرك فيه)! وإنما استخدم: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48، ويوجد فرق بين الدلالتين:
– حرف (في) يدل على الظرفية والاحتواء.
– حرف (بـ) يدل على الأداة والالتصاق.
ونفي المغفرة عن المشرك بالله لايعني نفي خروجه من النار، وإنما يعني أن العقاب لابد أن يطوله، ولابد للوعيد أن يتحقق، وذلك أثناء الحساب، وبعد تحقيق الوعيد وصدور الأمر بعقوبته وتنفيذه في النار يأتي دور العذاب فيمكث في النار إلى أن تتطهر نفسه من الخبث فتشمله رحمة الله الواسعة ويخرج من النار إلى الجنة، فدخوله النار يكون بحكمة الله ، وخروجه يكون برحمة الله. وينبغي أن نفرق بين دلالة كلمة ( شاء) وكلمة ( أراد).
– شاء: كلمة تدل على احتمالية الاختيار انظر قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً }الكهف29
– أراد: كلمة تدل التحديد والقصد للشيء بعينه. انظر قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }يس82، فيكون قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48، متعلقاً بالمشيئة وليس بالإرادة، والأمر إذا تعلق بالمشيئة لايعني حتمية حصوله، ولا تحديد أمر معين، فالأمر مفتوح واحتمالي في الاختيار، وكون الله عليم وحكيم ورحيم فقطعاً عندما يحدد أحد الأمرين الاحتمالييّن يكون ذلك بعلم وحكمة ليس اعتباطاً أو محاباة لأحد. فالوعيد لمن مات على جرمه لابد أن يتحقق في الآخرة، أما في الدنيا فالمغفرة والتوبة متاحة للجميع بشرط العمل الصالح والإصلاح لما أفسد تعويضاً عن جرمه وإفساده السابق.
فالظلم نوعان: ظلم متعلق بالله والناس، وظلم متعلق بالناس فقط.
أ- الظلم المتعلق بالله والناس هو المقصود بقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}أي جعل الله أداة تبرير، أو أداة طاعة الناس للظالم، حيث يقوم الظالم بالإدعاء أنه ينفذ إرادة الله أو يتكلم عنه، ويسفك الدماء ويهتك الأعراض ، ويصادر الحريات، ويسلب الأموال…باسم الله وإرادته، فيكون بذلك استخدم الله أداة وألصق نفسه به، فهذا الظلم هو الذي قال عنه الله: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }لقمان13.، وكلمة (يُشرك) من الفعل الرباعي (أشرك) الذي يدل على قيام جهة بإشراك جهة أخرى في أمر دون علم أو إذن منها.انظر قوله تعالى: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي }طه32، و الغضب الإلهي واللعن وعدم المغفرة ليس لأن الناس أشركوا مع الله، فالله غني عن العباد وهو حي قيوم، وإنما لأنهم أشركوا بالله بالمعنى الذي عرضته آنفاً، فهو غضب للشعوب والناس! وهذا الشرك بالله غير الشرك مع الله الذي هو عبادة الأصنام أو القول بأن الله ثالث ثلاثة ….الخ.
ب- الظلم المتعلق بالناس فقط: هو الاعتداء على حقوق الناس من غير وجه حق دون الادعاء بأنه ينفذ ذلك بأمر من الله ، أو أنه عين إرادة الله.
ومن خلال التفريق بين الشرك بالله، والشرك مع الله، وظلم الناس دون استخدام الله أداة، لن يحصل على أي صفح مقابل شركه بالله!فلاشك أن جرم الشرك بالله أشد من جرم الشرك مع الله، أو ظلم الناس فقط دون الشرك بالله.
لذا؛ لا يغفر الله الشرك به، لأنه ظلم عظيم متعلق بالله والناس معاً ، وهو غالباً يصدر من قيادات الناس ورؤسائهم على الصعيد العلمي أو الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي… أما الظلم بين الناس فهو لاشك بجرمه ولكنه أخف بكثير من الظلم الأول، لأنه يتعلق بالأفراد وليس بالشعوب! ولقد ذكرت في مقالي أن العقاب هو لتحقيق الحكمة الإلهية من جانب، وتعذيب( تنقية وصفاء وطهارة) المجرمين من جانب آخر، وبعد ذلك يخرج الجميع تباعاً من النار حسب حصولهم على الصفاء والطهارة الذاتية ، ومثلهم كمثل المريض إن دخل المشفى فهو الذي يساهم ويحدد خروجه من خلال تفاعله في عملية تسريع الشفاء.
{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }لقمان13
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }آل عمران64
{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ }آل عمران151
{وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }النساء36
{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48
{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء116
{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }الأنعام81
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }الأعراف33
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }التوبة28
{الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }النور31
فالمشرك بالله ما ينبغي أن يدخل المسجد الحرام، وما ينبغي أن يصير بينه وبين المسلمين أي علاقة من نكاح أو غيره، وذلك لأنه مجرم وكاذب وظالم للناس، ومستبد ومستعبد لهم باسم الله والدين.
اضف تعليقا