رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صحُفًا مُطَهَّرَةً

يستخدم أصحاب الدعوات الحسابية العددية لأحرف القرءان و من يقول عن شكل الخط والرسم للنص القرءاني إنه وحي من الله جملة (رَسولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صحُفًا مُطَهَّرَةً ) كدليل على إدعائهم ،ويتفاوتون في ذلك فمنهم من يقول: بأن الزخرفة والطيور والسكون والمدات والشدات وطريقة رسم شكل الحرف… الخ،وكل ماهو في الرسم العثماني الحالي هو وحي، ومنهم من يقول: إن طريقة رسم الكلمات فقط هي الوحي دون هيئتها أو التشكيل والزخرفة والطيور ، ولكن كلاهما يدَّعون أن النص القرءاني نزل صوت وصورة خطية على قلب النبي، وكان النبي يتلو النص القرءاني من الصحيفة التي ينظر إليها بعين قلبه وقام هو بنفسه بخط النص القرءاني بيده أو يأمر النساخ بخط النص كما رآه في الصحيفة طبق الأصل ويصحح لهم أخطاءهم ويعلمهم كيف ترسم الكلمة، وأين توضع الزخرفة والتشكيل والطيور والمدات والدوائر والشدات …الخ، وبالتالي الصواب التسمية للخط بالرسم الإلهي أو بالرسم المحمدي وليس بالرسم العثماني لأن عثمان بن عفان نسخ الرسم الإلهي من النسخة المحمدية المفقودة والتي لايعلم أحد عنها شيء . المتفق عليه بداية وليس محل خلاف هو أن النص القرءاني نزل ذكر صوتي محدث بلسان عربي مبين على قلب الرسول محمد ولم ينزل في قرطاس أو ألواح، وقد قام بتلاوته على الناس من قلبه بلسانه، وكان يدعوهم لسماعه بصوته ، ولم يكن ينشر ألواح أو صحف على الناس ليتلوا القرءان منها، وهذا أقره القرءان ذاته وذكره :
1- {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }الأنعام7
2- {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ }{عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ }{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ }الشعراء193-195 {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ }ص8
3- { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }البقرة75
4- {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ }الأنبياء2
5- {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }الأنعام151
6- {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ َ }التوبة6
7- {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً }طه114
8- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }الأعراف204
9- {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ }النمل92
10- {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }فصلت26
ولذلك كان النص القرءاني حجة بالتلاوة الصوتية له التي نزلت بلسان عربي مبين وهي البرهان والبلاغ وهي محل الدراسة والتدبر، وهي محل الحفظ الإلهي، وهي التي تتابعت في الأمة بشكل متنامي ومتتالي ، وهي محل التعبد والتقديس، ويُصَحَّح أي مخطوط على موجبها مهما تقادم المخطوط. هذه النقطة محل تسليم من قبل جميع من يؤمن بأن القرءان وحي من الله ، أما نقطة أن الخط للنص القرءاني المعروف بالرسم العثماني والذي يحلو لبعضهم تسميته بالرسم الإلهي أو بالرسم المحمدي فهي محل خلاف ولايوجد عليها أي برهان قطعي الدلالة من القرءان وإنما بُنيت على تساؤلات وإشكاليات متعلقة باختلاف رسم الكلمة ذاتها في عدة مواضع في القرءان وقالوا : لماذا اختلف الرسم للكلمة ذاتها في عدة مواضع؟ وعَدُّوا عدم العلم بسبب هذا الاختلاف برهان على إثبات إن خط النص القرءاني وحي من الله!.
وحاولوا أن يبحثوا عن نص قرءاني يخدم فكرتهم المسبقة فوجدوا نص(رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صحُفًا مُطَهَّرَةً) فقالوا: هذا دليل على أن النبي محمد كان يتلو القرءان من صحيفة أمامه تعرض عليه وبالتالي نزل القرءان عليه صوت وصورة. وبداية نقول : هل كانت الصحيفة مادية يمسكها النبي بيده بصرف النظر عن نوعها؟ والجواب قطعاً بالنفي لأن القرءان ذاته نفى نزول القرءان في قرطاس،{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }الأنعام7، وكلمة (لو) حرف امتناع يدل على نفي حصول ذلك، فلامناص من القول إن الصحيفة هي حالة موجية ربما ليزرية ، ولكن السؤال هل كان النبي يراها بعينيه؟ والجواب قطعاً بالنفي أيضاً، فالوحي كان ينزل بالقرءان على قلب النبي فوراً،{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ }{عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ }{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ }الشعراء193-195، إذاً ؛ لامناص من القول إن الصورة للنص القرءاني كانت صورة ذهنية بالرسم المعروف باسم الرسم العثماني طبعة المدينة وبخط عثمان طه !
ويظهر سؤال آخر هل كان النبي يتلو المخطوط من الصورة الذهنية؟ والجواب عندهم: نعم ،كان النبي يتلو المخطوط للنص القرءاني من الصحيفة الذهنية التي يراها، وهذا يجعلهم يصطدمون مع النص القرءاني الذي نفى عن النبي مهارة تلاوة المخطوط أو خطه،{وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ }العنكبوت48، فاضطروا أن يقولوا: إن هذا كان قبل النبوة ولكن بعد النبوة تعلم تلاوة المخطوط وخطه، رغم أن النص القرءاني نفى ذلك عنه قبل النبوة والأصل بقاء ماكان على ماكان عليه حتى يأتي برهان يغير ماكان، وهذا معروف بالمنطق الاستدلالي استصحاب الحال الثابت وعدم نفيه إلا بدليل، مع وجود روايات تاريخية تدل على أن النبي بقي فعلاً لايتقن تلاوة المخطوط ولايخط بيده بعد النبوة وتوفي كذلك.
أما موضوع أن النبي كان يقرأ ويكتب فهذا موضوع آخر لاعلاقة له بتلاوة المخطوط أو بخط الكلام على صحيفة، لأن مفهوم القراءة غير مفهوم التلاوة، فالقراءة من قرأ وتدل على الفهم والتحليل والتركيب والاستنباط ، ألا ترون كيف يقرأ الطبيب الصور الشعاعية ، أو المتنبئ الجوي يقرأ صور القمر الصناعي للطقس ؟ ولايوجد في الصور أي كلام مخطوط، فالقراءة هي قدرة فهمية موجودة عند كل الناس لزوماً بحد معين مع تفاوت بينهم ولايوجد إنسان لايملك تلك القدرة الفهمية وهي تنمو بالعلم والتفكر و الدراسة ، ومن يفقدها يصير أبله معتوه، فالطفل الرضيع يقرأ تعاليم الوجه ويفهمها ويتخذ موقفاً بناء على قراءته ! فالنبي يملك القدرة على القراءة حسب معلوماته وقدراته الفهمية من قبل النبوة يفهم الخطاب والأحداث ويحللها ويركب النتائج ويستنبط ويحكم على المواقف مثله مثل أي إنسان. وكذلك الكتابة لايشترط لها الخط، فيمكن أن يكتب الإنسان بذهنه وقلبه لأنها كلمة تدل على جمع الشيء مع غيره بشكل متجانس ومنضبط، مثلاً يقوم الباحث بكتب بحثه بمعنى جمع الأفكار والمعطيات وفق طريقة معينة ويمليها على شخص يخطها له مثل الأديب ” طه حسين” كان قارئاً وكاتباً رغم أنه أعمى لايتلو المخطوط ولايخط بيده ولكنه قارئ وكاتب وله مؤلفات كثيرة هو كتبها ولكن لم يخطها بيده. وكذلك النبي محمد كان قارئاً وكاتباً ومؤلفاً ولكن لايتلو المخطوط ولايخطه .
من كان يكتب رسائل النبي للملوك؟ لاشك كان النبي هو الذي يكتبها من خلال إملائه الكلام على الناسخ فيقوم الناسخ بخطها على صحيفة .
من كان يؤلف كلام الرسائل للملوك؟ كان النبي محمد هو يؤلف كلام الرسائل ويمليها على الناسخ ليخطها على صحيفة .
من كان يقرأ رسائل الملوك التي تأت للنبي؟ لاشك أن النبي كان يقرأها بمعنى يفهمها ويحلل فحواها ويدرس أبعادها من خلال سماع تلاوة الناسخ لمخطوط الرسالة .
فالقراءة قدرات فهمية لايخلو إنسان منها حسب علمه وتفكيره ، وقد ترتبط بتلاوة المخطوط وتجتمع معها وقد تنفرد، فكلمة القراءة أعم من التلاوة ، وكذلك التلاوة تدل على اتباع الشيء وراء بعضه بعض مثل قولنا: التالي، وقد تكون من صحيفة وقد تكون من الذهن، والنبي محمد كان يتلو القرءان من ذهنه وليس من صحيفة بيده {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }الأنعام151 وكلمة الأمية لاتعني نفي العلم ،و النبي كان أمياً وبقي أمياً بعد النبوة ، وأمية النبي قبل النبوة تمثلت بانتمائه لأم القرى وقومه الأميين ، وبعد النبوة صار إماماً لأن كلمة ( الأمي) من أمَّ وتدل على المركز والأصل والمرجع والقصد مثل إمام الصلاة فهو مركز المصلين ومرجعهم والأصل لهم ويقتدون به. فكلمة الأمي للنبي محمد لاتعني أنه لايعرف القراءة و الكتابة فهذا بيناً خطئه وعدم صوابه، ولاتعني الجهل عموماً، فهي مدح وليس ذماً{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف157 فالنبي محمد هو أمِّي وهو قارئ وكاتب ويتلو من ذهنه مايشاء، ولكن لايعرف مهارة تلاوة المخطوط أوخطه.
وهذا يوصلنا إلى فهم نص{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }العلق1، هذا الخطاب عام وليس خاصاً للنبي محمد ولو أنه يشمله كأول مخاطب به، كما أنه يشمل الإنسان الأعمى، و فعل (اقرأ) يدل على الأمر بالفهم والتحليل والتركيب والاستنباط والتفكير ومعرفة أسباب الأحداث والوجود واكتشاف السنن التي تحكمه لتسخيرها وتحقيق مقام الخلافة في الأرض، ويكون ذلك باسم الرب الذي خلق بمعنى استخدام سمات أسماء الرب في دراسة صفحات الخلق ومعرفة أوامره السننية التي تحكم الوجود وهذا يتمثل بنص {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20، فالأمر للنبي محمد بالقراءة كان شيء طبيعي لأنه يستطيع القراءة، ولو كان الأمر بتلاوة المخطوط وبيد جبريل صحيفة لكان الأمر بفعل القراءة عبث، فكيف يأمره بتلاوة مخطوط وهو لايعرف تلك المهارة ؟ غير أن النص القرءاني لم ينزل في قرطاس لا للنبي ولا لغيره ولو نزل على النبي بصحيفة ملموسة أو ذهنية لكان نزوله للناس بصحيفة أولى منه، ونفي نزول القرءان بقرطاس يشمل النبي ويشمل الناس، ولايصح القول : إن مجرد أن توجه أمر الله للنبي محمد بأمر اقرأ صار قارئاً وقام بقراءة الصحيفة القرءانية التي يحملها جبريل ، فهذا عبث واعتباط في القول وخلط بين فعل قرأ وفعل تلى، ونقض لنص نفي نزول النص القرءاني بقرطاس،وتخيل لأمر غيبي دون برهان، والتلاوة لاتعني القراءة ، ولايشترط لفعل القراءة وجود فعل التلاوة، والأمر أتى بفعل (اقرأ) وحدد محل القراءة وهو الخلق وذلك من خلال السير في الارض ومعرفة كيف بدأ الخلق وسار وصار. ولايصح أنه نزل بصحيفة ليزرية على قلب النبي فوراً فهذا قرطاس بشكل من الأشكال والنص نفى نزول القرءان بهذا الشكل المخطوط بأي وسيلة كانت. فلايوجد أي دليل على أن الأمر بالقراءة يعني تلاوة المخطوط، لأن فعل قرأ غير فعل تلى ، والمطلوب القراءة وليس التلاوة كما في نص {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }الأعراف204، ليس المطلوب الاستماع للتلاوة ولو حصلت جهرة من أحدهم فهذا شأنه وغير ملزمين بتلاوته، والنص ذكر فعل القراءة للنص القرءاني التي تدل على التحليل والتركيب والاستنباط والتفكير والتدبر، هذا محل للاستماع والإنصات لأنه علم وفيه فائدة يترتب عليه نزول الرحمة الإلهية على الناس من خلال الامتثال لأوامره وتغيير ما بأنفسهم .
بعد هذا المدخل المختصر نعود للنص محل الدراسة وهو{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ{1} رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صحُفًا مُطَهَّرَةً{2} فِيهَا كُتبٌ قَيِّمَةٌ{3} وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}{4} البينة ،هذا النص ليس خبراً عن حدث مضى وانتهى وإنما هو خبر عن حدث مستمر، والبينة التي أتت وسوف تأتي لهم ليست هي شخصاً ، فالشخص ليس بينة لأن البينة هي برهان تدل على صدق شيء ، وفي النص حدد البينة بأنها رسول من الله ، وكلمة الرسول أتت نكرة وليست معرفة ولايوجد في النص ما يدل على أنه كائن بشري لا النبي محمد ولاغيره، بل ؛أتت كلمة الرسول متعلقة بكلمة (بينة) فالبينة هي رسول، والرسول يحتوي البينة، وهو يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة .
فما هي البينة التي هي رسول من الله؟
كلمة (رسول) تطلق على حامل الرسالة سواء أكان كائناً بشرياً أم مبنى الرسالة اللساني ذاته هو رسول، وقد أتى في القرءان استخدام الصورتين:
الأولى: الرسول بالمعنى البشري
{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ }المائدة83 {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ }الأعراف157
الثاني: الرسول بمعنى الرسالة قوله تعالى:
{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الشعراء16قال أبو عبيدة: رسول بمعنى رسالة والتقدير على هذا، إنا ذوو رسالة رب العالمين. تفسير “القرطبي” باب 13،ج 13، ص 93
وذكر لسان العرب أثناءكلامه على كلمة رسول: وقال أَبو إِسحق النحوي في قوله (عز و جل) حكاية عن موسى وأَخيه( فقُولا إِنَّا رسول رب العالمين) معناه إِنا رِسالة رَبّ العالمين أَي ذَوَا رِسالة رب العالمين، وأَنشد هو أَو غيره: ما فُهْتُ عندهم بسِرٍّ ولا أَرسلتهم برَسول. أَراد ولا أَرسلتهم برِسالة قال الأَزهري وهذا قول الأَخفش، وسُمِّي الرَّسول رسولاً لأَنه ذو رَسُول أَي ذو رِسالة والرَّسول اسم من أَرسلت وكذلك الرِّسالة…)
وفي النص المعني بالدراسة أتت كلمة ( رسول) بمعنى الرسالة، فهي الرسول وتحتوي البينة ويتلو صحفاً مطهرة . والسؤال هل الرسول بمعنى الرسالة يتلو ويهدي ويقص؟
والجواب نجده في القرءان ذاته:
الرسول بمعنى الرسالة يهدي {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً }الإسراء9.
الرسول بمعنى الرسالة يقص {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }النمل76
الرسول بمعنى الرسالة يتلو آيات الله {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً }{رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً }الطلاق10-11
فالرسول بمعنى الرسالة يهدي ويقص ويتلو آيات الله
كلمة (صحفاً) جمع صحيفة ذكر صاحب مقاييس اللغة : الصاد والحاء والفاء ( صحف) أصل صحيح يدل على انبساط في شيء وسعة . يقال إن الصحيف وجه الأرض، والصحيفة: بشرة وجه الرجل.
ودلالة كلمة( الصحف) لا تُحصر بوجه الأرض فهي تشمل كل انبساط وسعة في الوجود الكوني، وهذا يعني ان الصحف هي الانبساطات الممتدة في الكون والمتسعة، وهذه الصحف الكونية مطهرة من التحريف والعبث والدجل ومنضبطة بسننها و فيها كتب قيمة، وكلمة (كُتب) جمع كتاب وهو يدل على الشيء الذي يجمع الأمور المتجانسة مع بعضها ، وفي الوجود الكوني ( الصحف) يوجد كتب مترابطة مع بعضها وتشكل منظومة واحدة وهي كتاب البحار وكتاب الغابات وكتاب الجبال وكتاب الأنهار كتاب النجوم …..وكتاب الحياة بكل ما تحوي في داخلها من كتب أيضاً وهكذا، والرسول (الرسالة) يتلو صحفاً بمعنى يذكر ويتبع في مبناه ومضمونه أبعاد وامتدادات كونية مُطهرة تحتوي كتباً قيمة.
فلايوجد في النص المعني أي ذكر للنبي محمد وأنه يتلو النص القرءاني من صحيفة ليزرية لا يراها إلا هو فقط!! فلا داعي أن يلووا عنق النصوص ليثبتوا فكرتهم المسبقة.