انتقال مفهوم الكلمة من المعنى الطبيعي إلى التجريدي

بعد أن حصل الإنسان على مخزون صوتي كبير من الكلمات الثنائية،  ونما شعوره النفسي،  وتفتَّحت مداركه على العلاقات الإنسانية،  وأهمية التواصل مع بني جنسه،  وغير ذلك من الأمور الحياتية الملحة فرضت على الإنسان أن يرتقي في عملية تصويته المرتبط بالظواهر الطبيعية إلى الاستخدام الثقافي للكلمة المجرد عن صورته المجسدة (الانتقال من التجسيد إلى التجريد)،  فقام بملاحظة الصوت الثنائي (ظاهرة فيزيائية) في الواقع كيف تحصل ؟ وما هي العملية التي تنتج عن ذلك؟

وسنضرب مثلاً لتقريب الفكرة معتمدين على التخيل الإخراجي (سيناريو) لما حصل ضرورة واقعية،  وقياس الغائب على الشاهد.

نظر الإنسان إلى حركة الماء الذي يغلي فسمع صوت (بقبقة) التي هي عبارة عن حركة الماء الساخن من الأسفل إلى الأعلى بصورة متجمِّعة على بعضها منقطعة ومتوقفة عند سطح الماء،  ومع تكرار تلك العملية ومراقبته لها وصل إلى أن صوت (ب) ظاهرته الفيزيائية تدل على جمع الشيء بصورة مستقرة،  ولاحظ أن لفظه لصوت (الباء) ساكناً أيضاً يتم من خلال جمع الشفتين مع بعضهما واستقرار الصوت،  ولاحظ أن صوت (ق) فيزيائياً يدل على وقف أو قطع حركة الشيء،  وكذلك طريقة لفظه من الفم،  فتطابقت الدلالة الفيزيائية مع طريقة اللفظ للحرف،  حيث أن الجهاز الصوتي للإنسان يقوم بكل أمانة بأخذ صورة صوتية للظاهرة الفيزيائية التي حدثت،  وشاهد الإنسان تحقق ذلك المعنى وتكراره في أكثر من ظاهرة في الطبيعة مع عكس ترتيب الأصوات (قب –    بق) (1)    فاستطاع أن يصل إلى مفهوم مجرد للصوت،  واستخدمه للتعبير عن مفاهيم أخرى تحققت فيها دلالة صوت الباء والقاف.

وهكذا تم الانتقال من الدلالة الفيزيائية للأصوات إلى المفهوم الثقافي المجرد عن الحدث،  ومع تقادم الزمن،  ونمو اللِّسان الثقافي في المجتمعات تم تناسي جذور الأصوات الفيزيائية إلى درجة الغياب تماماً،  –    ولا  نستبعد وجود مؤامرة التحريف والتضليل اليهودي-    أدَّى إلى القول باعتباطية نشأة اللِّسان،  ونفي الدلالة عن أصوات الأحرف،  ولولا نزول التنزيل الحكيم لضاعت الحقيقة،  وانقرض اللِّسان العربي،  وانتفت الصفة العلمية عنه،  وصار مثل غيره من الألسنة،  وأصابته العجمة.

(1) مع العلم أن تركيب الكلمة في اللِّسان العربي وترتيب أحرفها أدق نظاماً من عناصر الكيمياء،  والرياضيات،  فغالب المعادلات الكيميائية لا تتأثر بتقديم عنصر على آخر أثناء تركيبها،  وكذلك العمليات الحسابية من جمع أو ضرب لا تتأثر من تقديم أو تأخير عناصرها،  مثل 5+ 4 = 4+5،  بخلاف أحرف الكلمة، فإن أي تغيير في بنيتها تقديماً أو تأخيراً يؤثر على النتيجة،  انظر:   (كتب،  بتك)،  ( در،  رد)، (صر،  رص)،  ( ضر،  رض)، ( رش،  شر)،  (دك،  كد)…