لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا
النص القرآني:
“لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (المائدة: 48).
التحليل القرآني واللساني:
- الإطار العام: النص يشير إلى تعدد التشريعات (الشرائع) والمناهج بين الأمم، مع التأكيد على وحدة المصدر الإلهي للدين. هذا التنوع ليس في الدين نفسه كمنظومة إيمانية وقيمية وأخلاقية، بل في تطبيق تلك القيم في إطار زماني ومكاني خاص بكل أمة.
- التفرقة بين “شِرْعَةً” و”مِنْهَاجًا”:
- شِرْعَةً: الجذر اللساني (ش- ر-ع) يحمل دلالات متعلقة بالفتح والظهور، مثل “شَرَعَ الماء” بمعنى تدفق وظهر. في النص القرآني، الشرعة تشير إلى الأحكام التشريعية الظاهرة، التي تتعلق بالجوانب العملية والتطبيقية (مثل العبادات والمعاملات).
- مِنْهَاجًا: الجذر (ن-ه-ج) يحمل دلالة الوضوح والاستقامة، مثل “نهج الطريق” أي السير في طريق واضح ومحدد. المنهاج يشير إلى الطريقة أو النهج الفكري والسلوكي العام الذي يوجه الأمة لتحقيق أهداف الشرعة. يمكن اعتباره الإطار التوجيهي الذي ينسجم مع خصوصيات كل أمة.
- الدين واحد والشرائع مختلفة:
- النص “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا…” (الشورى: 13) يوضح أن الدين كمنظومة قيمية وأخلاقية واحدة وثابتة.
- الشرعة والمنهاج يمثلان وسائل تطبيق تلك القيم في بيئات مختلفة، بما يتناسب مع ظروف كل أمة.
- الغاية من التعدد:
- “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً” يعبر عن أن التعددية في الشرائع والمنهاج ليست خللاً، بل جزء من حكمة الله في اختبار التنوع الإنساني: “لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ”.
- هذا يشجع على التنافس الإيجابي “فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ”، حيث تُترجم القيم الدينية عمليًا بشكل يناسب كل أمة.
فهم النص منطقيًا ولسانيًا:
- ارتباط “شِرْعَةً” بالجوانب التشريعية التطبيقية:
- مثل القوانين المحددة التي تحكم السلوك الفردي والجماعي، وهي تختلف بحسب الزمان والمكان (مثل اختلاف تفاصيل العبادات بين الأمم).
- ارتباط “مِنْهَاجًا” بالإطار السلوكي العام:
- يمثل الرؤية الكلية التي تجمع بين الغايات والأهداف والقيم الكبرى (مثل العدالة، الإحسان، والرحمة).
- الدين كقيمة ثابتة والشرائع كتنوع وظيفي: الدين هو القاسم المشترك الأعظم بين الأمم، أما الشرعة والمنهاج فهما أدوات لتفعيل القيم الدينية ضمن السياقات المختلفة.
تدبر الأفكار:
- العلاقة مع النصوص الأخرى:
- “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا” يوضح أن التوصيات الكبرى (مثل الوصايا العشر) ثابتة، لكنها تطبق وفق شرعة ومنهاج محددين لكل أمة.
- “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” (الكافرون: 6) يعزز فكرة التعددية والحرية في إطار الوحدة.
- الغاية من الاختلاف:
- الاختلاف ليس في جوهر الدين، بل في التفاصيل العملية. الهدف من ذلك إبراز التنوع البشري كمظهر من مظاهر الخلق الإلهي.
- الإسقاط المعاصر:
- النص يعزز قبول التنوع واحترام الاختلاف بين المجتمعات الإنسانية، مع التركيز على القيم المشتركة والتنافس الإيجابي لتحقيق الخير.
النتيجة:
“شِرْعَةً” و”مِنْهَاجًا” تمثلان أبعاد الدين العملية والتوجيهية:
- الشرعة: التشريعات التطبيقية الخاصة بكل أمة.
- المنهاج: الإطار العام للتفكير والسلوك الذي ينسجم مع تلك التشريعات.
النص ينسجم مع مفهوم التنوع الوظيفي ضمن وحدة القيم الإلهية، مع التأكيد على الحكمة الإلهية في تعددية الوسائل لتحقيق الخير.
اضف تعليقا