Skip to content
الاستبداد المعرفي وتحليل ظاهرة منع تعليم النساء في أفغانستان
الاستبداد المعرفي وتحليل ظاهرة منع تعليم النساء في أفغانستان
ليست ظاهرة منع النساء من التعليم في أفغانستان مسألة تربوية جزئية يمكن فهمها ضمن حدود الإدارة المدرسية أو السياسات التعليمية الضيقة، بل هي ظاهرة تكشف عن بنية أعمق من التحكم بالمجتمع عبر التحكم بالمعرفة. فحين تمنع السلطة المرأة من الوصول إلى التعليم فإنها لا تحجب عنها مجرد الكتب أو الشهادات، وإنما تحجب عنها أدوات الوعي، وتحد من قدرتها على الفهم والنقد والاختيار والمشاركة. وقد أكدت اليونسكو واليونيسف أن أفغانستان بقيت الحالة الوحيدة في العالم التي تحظر فيها الدراسة الثانوية والعليا على الفتيات والنساء، وأن عدد المحرومات من التعليم الثانوي بلغ ملايين الفتيات مع آثار طويلة المدى تمس مستقبل المجتمع كله .
ومن هذا المنطلق يمكن وصف هذه السياسة بأنها استبداد معرفي، لأن المعرفة فيها لا تعامل بوصفها حقًا إنسانيًا عامًا، بل بوصفها موردًا ينبغي احتكاره وتوزيعه على نحو يخدم بقاء السلطة وبنية الهيمنة داخل المجتمع. وتوضح التقارير الدولية أن منع تعليم النساء لا يضر بحقوقهن الفردية وحدها، بل ينعكس على التنمية الاقتصادية، وعلى الخدمات الصحية، وعلى تكوين الكوادر التعليمية، وعلى قدرة المجتمع على ترميم ذاته في الأزمات . وهكذا يصبح المنع مشروعًا لإعادة إنتاج الجهل المنظم، لا مجرد موقف عارض من تعليم البنات.
-البعد السياسي في منع التعليم
إن السلطة التي تميل إلى الإغلاق الأيديولوجي تخشى التعليم لأنه يفتح المجال أمام التفكير النقدي، ويضع الفرد في موضع المقارنة بين الواقع والممكن، وبين المألوف والمشروع، وبين السلطة والقيمة. ومن ثم فإن المرأة المتعلمة تمثل في مثل هذا السياق خطرًّا مضاعفًا في نظر القوى المنغلقة، لأنها لا تعيد تشكيل ذاتها فحسب، بل تؤثر في الأسرة وفي تنشئة الأطفال وفي صورة العلاقات الاجتماعية وفي إنتاج الرأي العام. ولذلك نبهت اليونسكو واليونيسف إلى أن حرمان الفتيات من التعلم اليوم سيقود غدًّا إلى نقص في المعلمات والطبيبات والممرضات وغيرهن من العاملات في القطاعات الحيوية، أي إن المجتمع كله سيدفع ثمن هذا الإقصاء .
ويظهر هنا أن الجهل ليس نتيجة عرضية للاستبداد، بل أداة من أدواته. فكلما ضاقت مساحات المعرفة ضاقت معها إمكانات السؤال والمراجعة والمساءلة. ولهذا حذرت اليونسكو من أن استمرار الحظر يمكن أن يحرم قرابة أربعة ملايين فتاة من التعليم الثانوي بحلول عام ألفين وثلاثين، وأن تعطيل التعليم العالي للنساء يكلف أفغانستان خسائر مستقبلية ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات . فالمسألة إذن ليست خلافًّا حول شكل المناهج أو ضوابط المدرسة، بل هي صراع على من يملك حق تشكيل العقل العام.
– البعد الذكوري وآلية الضبط الاجتماعي
يتداخل الاستبداد السياسي هنا مع تصور ذكوري للسلطة داخل المجتمع، قوامه أن تبقى المرأة في موضع التبعية وأن تحرم من أدوات التأثير المعرفي والثقافي. وحين يجري اختزال المرأة في وظيفة بيولوجية أو منزلية صرفة فإن هذا الاختزال لا يحفظ المجتمع كما يزعم الخطاب التقليدي، بل يعطله؛ لأنه يجرد نصفه من إمكان الفعل والإنجاز والإسهام في القرار العام. وقد بينت تقارير الأمم المتحدة والهيئات الحقوقية أن القيود المفروضة على النساء في أفغانستان لا تقتصر على التعليم وحده، بل تتصل كذلك بالعمل والتنقل والمشاركة العامة، بما يدل على وجود منظومة إقصاء مترابطة .
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن أخطر ما في هذه المنظومة أنها تعيد تشكيل وعي الأفراد بذواتهم وبأدوارهم. فالفتاة تتعلم أن سقف طموحها يجب أن يكون منخفضًّا، وأن حقها في المعرفة ليس أصيلًّا، بل منحة قابلة للسحب. والفتى يتعلم، في المقابل، أن تفوقه النوعي مفترض سلفًّا حتى إن لم يقم على كفاءة أو علم. بهذا المعنى يتحول المنع من إجراء سياسي إلى عملية تنشئة ذهنية تنتج قبولاً متدرجًا باللامساواة. ومع ذلك، أظهرت بيانات أممية أن أغلبية ساحقة من الأفغان تؤيد حق الفتيات في التعليم، وهو ما يدل على أن المجتمع ليس مطابقًا بالضرورة لسياسات الإقصاء التي تفرض عليه .
-
الأثر الاجتماعي والنفسي والتنموي
إن المجتمع الذي يمنع النساء من التعليم يعطل نصف طاقته الاجتماعية، ويحكم على نفسه ببطء النمو وضعف الابتكار وتآكل رأس المال البشري. وقد أوضح البنك الدولي أن محدودية الفرص التعليمية أمام الفتيات والعوائق التي تمنعهن من إكمال سنوات الدراسة الأساسية تكلف البلدان خسائر هائلة في الإنتاجية والدخل مدى الحياة، وأن تعليم الفتيات من أقوى وسائل خفض الفقر ورفع القدرة الاقتصادية للأسر والمجتمعات . وهذا يعني أن منع النساء من التعليم ليس شأنًا خاصًا بالمرأة وحدها، بل هو عدوان على مستقبل المجتمع برمته.
كما أن أثر هذا المنع يصل إلى الأسرة والطفولة والصحة العامة. فالدراسات السكانية والتنموية تشير إلى أن تعليم الفتيات يرتبط بتحسن صحة الأم والطفل، وانخفاض وفيات الأطفال، وارتفاع معدلات التلقيح، وتحسن التغذية، وتأخر الزواج، وتراجع الحمل المبكر، وكل ذلك يجعل تعليم المرأة عاملًا حاسمًا في تكوين أجيال أكثر قدرة على الحياة الكريمة والمشاركة الفاعلة . وحين تحرم الأم من المعرفة تضعف قدرتها على اتخاذ القرار الصحي والتربوي الرشيد، فينعكس ذلك على الطفل منذ سنواته الأولى.
أما على المستوى النفسي، فإن حرمان الفتاة من المدرسة لا يعني فقط إيقاف تحصيلها الدراسي، بل يعني كسر تصورها لذاتها ولزمنها المقبل. فالإنسان يتعلم من خلال التعليم أن له مستقبلًا يمكن أن يبنيه، وأن جهده يثمر، وأن العالم مفتوح أمام عقله. وحين تغلق المدرسة في وجهه يتحول المستقبل إلى جدار مغلق، ويحل الإحباط محل الأمل. لهذا تؤكد التقارير الحقوقية أن حظر التعليم يسلب الفتيات الإحساس بالقدرة والاتجاه، ويدفع بعضهن إلى الهشاشة الاجتماعية والتبعية القسرية والزواج المبكر .
-القرآن الكريم وخطاب العلم للإنسان
إذا كان الخطاب السياسي أو الاجتماعي قابلًا للمراجعة والتبدل، فإن الخطاب القرآني يحتل لدى المسلمين منزلة مرجعية حاسمة، ولذلك فإن بيان الموقف القرآني من العلم وتعليم المرأة ليس أمرا تكميليًا، بل هو أصل في تفكيك التبرير الديني الذي يستند إليه بعض المانعين. واللافت أن القرآن، منذ أول لحظة نزول، لم يفتتح مشروع الهداية بأمر يتعلق بالعزلة أو التبعية أو الحجر على العقل، بل افتتحه بأمر القراءة والعلم والتعلم. يقول تعالى: “اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم”. وهذه الآيات تؤسس من البداية لعلاقة الإنسان بالوحي والمعرفة والقلم، وتجعل التعليم فعلا تأسيسيا في بناء الإنسان، لا امتيازا ممنوحا لفئة دون أخرى. فاللفظ القرآني هنا هو الإنسان، لا الذكر، وهو تعبير دال على عمومية الخطاب المعرفي وشموله .
ولا يكتفي القرآن بفتح باب القراءة، بل يقيم تفاضل القيم على العلم نفسه، كما في قوله تعالى: “قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”، وقوله تعالى: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات”. فالتفاضل هنا مرتبط بحيازة العلم وبآثاره الإيمانية والأخلاقية، لا بالنوع الاجتماعي ولا بالبنية الجسدية. وحين يجعل النص الرفعة للعلم، ثم يأتي خطاب اجتماعي أو سياسي ليقصر هذا العلم على الذكور، فإنه يكون قد نقل معيار الرفعة من المعرفة إلى الجنس، ومن الكسب الإنساني إلى الامتياز الموروث، وهذا انقلاب على منطق القرآن لا استناد إليه.
ويتأكد هذا المعنى إذا نظرنا إلى الآيات التي تبني وحدة الأصل الإنساني ووحدة المسؤولية. يقول تعالى: “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة”. ويقول تعالى: “فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض”. فهاتان الآيتان لا تكتفيان بإثبات المساواة في القيمة، بل تؤسسان لفكرة التداخل الإنساني والتكامل الوجودي بين الرجل والمرأة. ومعنى “بعضكم من بعض” أن أحدهما ليس ملحقًا بالآخر ولا أدنى في إنسانيته أو مسؤوليته، بل كلاهما داخل في البنية الأخلاقية نفسها. وإذا كانت المسؤولية مشتركة، فإن أدواتها لا يجوز أن تكون محصورة في طرف دون طرف، لأن التكليف بلا تمكين معرفي ظلم يناقض الحكمة الإلهية.
ثم إن القرآن يكثر من دعوة الإنسان إلى النظر والتفكر والتدبر والاعتبار، وهي كلها أفعال عقلية لا معنى لها من غير تعليم ومعرفة وممارسة ذهنية. يقول تعالى: “إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب”. ويقول تعالى: “أفلا يتدبرون القرآن”. ويقول تعالى: “ولا تقف ما ليس لك به علم”. ويقول تعالى: “قل سيروا في الأرض فانظروا”. إن هذه الأوامر والنداءات لا تخاطب الرجل وحده، بل تخاطب الإنسان المكلف، وتبني شخصيته على البحث عن الدليل، وعلى تجنب القول بغير علم، وعلى قراءة الواقع والكون والتاريخ قراءة واعية. ومن ثم فإن أي سياسة تمنع المرأة من التعلم تصادر عنها إمكان الاستجابة لهذه النداءات القرآنية، وتجعلها في موقع من يطلب منه أن يكون مسؤولًا من غير أن يمتلك أدوات المسؤولية.
ومن الدلالات المهمة كذلك أن القرآن لم يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة سيادة معرفية من أحدهما على الآخر، بل علاقة سكن ومودة ورحمة وتعاون على البر والتقوى. وإذا كان قيام الأسرة الصالحة يحتاج إلى وعي وحكمة وقدرة على التمييز، فإن حجب العلم عن المرأة يفسد هذا المقصد من أساسه، لأن الأسرة لا تنهض بوصاية جاهلة، بل بشراكة واعية. ولهذا فإن الخطاب القرآني، حين يربط بين الإيمان والعقل وبين العلم والرفعة وبين العمل والجزاء، يهدم من الداخل كل تبرير ديني لمنع المرأة من التعليم. فالمانع هنا لا يضيق على المرأة فقط، بل يعطل المقصد القرآني الذي يريد للإنسان أن يخرج من الجهل إلى العلم، ومن الاتباع الأعمى إلى البصيرة، ومن الخضوع للقوة إلى الخضوع للحق.
ومن ثم فإن الاحتجاج بالدين لتبرير منع تعليم النساء ليس مجرد خطأ في التطبيق، بل هو خطأ في الفهم من أصله. لأن القرآن لا يعرف تصنيفا يجعل العقل حقًّا ذكوريًا، ولا يجعل المعرفة بابًا مغلقًا أمام الأنثى، ولا يربط الكرامة الإنسانية بالنوع، بل يربطها بالتقوى والعمل والعلم والمسؤولية. وإذا كان بعض الناس يتكئون على موروثات اجتماعية أو فقهية لتقييد المرأة، فإن المرجع الأعلى عند المسلمين هو القرآن، والقرآن في بنيته الكلية ينحاز إلى تحرير الإنسان بالهداية والمعرفة، لا إلى تكبيله بالجهل والحراسة الذكورية على العقل.
-
التناقض بين منطق القرآن والواقع المفروض
حين نقارن بين هذا الأفق القرآني وبين الواقع المفروض على النساء في أفغانستان يظهر التناقض بجلاء. فالقرآن يفتح باب العلم للإنسان، بينما يغلقه الواقع أمام المرأة. والقرآن يجعل الرفعة للعلم، بينما يجعلها الواقع للنوع. والقرآن يدعو إلى النظر والتدبر واتباع البرهان، بينما يقوم الواقع المفروض على الطاعة الصماء وتقليص المسافة بين السلطة والحقيقة. لذلك فإن الحظر المفروض على تعليم النساء ليس فقط انتهاكًا لحق اجتماعي أو إنساني، بل هو أيضًا مصادمة مباشرة للمنطق القرآني الذي يخاطب الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا مسؤولًا .
كما أن نتائج هذا الحظر، وفق ما تؤكده المؤسسات الدولية، تتجسد في تعطيل التنمية، وتراجع الكفاءات، وزيادة الهشاشة الاجتماعية، وتعميق الفقر، وتهديد مستقبل أجيال كاملة . وعليه فإن منع تعليم النساء لا يمكن وصفه بأنه محافظة على الدين أو الأخلاق، بل هو توظيف للجهل لإدامة السيطرة، وتضييق لمجال العمران الذي أراده الله للناس جميعًا. إن المجتمع لا ينهض إلا بعقلين متشاركين، عقل الرجل وعقل المرأة، ولا يستعيد كرامته إلا عندما يعود العلم حقًّا إنسانيًا عامًا لا تحتكره سلطة ولا تصادره ذكورية.
samer Islamboli2026-06-01T16:13:45+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
Page load link
اضف تعليقا