استدعاء قرآن برغواطة من الذاكرة إلى الصراع

بَيْنَ حَقِيقَةِ التَّوْثِيقِ التَّارِيخِيِّ وَمَخَاطِرِ “هَنْدَسَةِ التَّفْتِيتِ” المُعَاصِرَةِ

تَظَلُّ تَجْرِبَةُ “إِمَارَةِ بَرْغُوَاطَةَ” ظَاهِرَةً تَارِيخِيَّةً مُنْتَهِيَةً زَمَنِيّاً، لَكِنَّ اسْتِدْعَاءَهَا الْيَوْمَ بِخِطَابٍ هُوِيَّاتِيٍّ مُتَشَنِّجٍ يَجْعَلُهَا أَدَاةً لِتَغْذِيَةِ صِرَاعٍ “قَوْمِيٍّ-لِسَانِيٍّ” مُفْتَعَلٍ، لَا مَوْضُوعاً لِلْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ الْمُجَرَّدِ فَقَطْ. وَيَفْتَحُ هَذَا الِاسْتِدْعَاءُ الْبَابَ لِآفَةٍ كُبْرَى تَتَمَثَّلُ فِي سُوءِ اسْتِعْمَالِ مَفْهُومِ “الْعَرَبِيَّةِ” بِتَحْوِيلِهِ مِنْ دَلَالَتِهِ الْحَضَارِيَّةِ الْوَاسِعَةِ إِلَى شِعَارٍ قَوْمِيٍّ ضَيِّقٍ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ، بَيْنَمَا كلمة “الْعَرَبُ” فِي أَصْلِ الدَّلَالَةِ اللسانية والْقُرْآنِيَّةِ هُوَ وَصْفٌ لِلْفِطْرَةِ وَالْأَصَالَةِ وَالصَّلَاحِ وَالْبَيَانِ، وَلَا خُصُومَةَ لَهُ مَعَ أَيِّ قَوْمِيَّةٍ أَوْ لِسَانٍ آخَرَ.

بَرْغُوَاطَةُ: دِينٌ مُؤَدْلَجٌ وَعُنْفٌ مُمَارَسٌ

تَارِيخِيّاً، قَامَتْ إِمَارَةُ بَرْغُوَاطَةَ فِي مِنْطَقَةِ “تَامَسْنَا” بِالْمَغْرِبِ الْأَقْصَى عَلَى يَدِ مُؤَسِّسِهَا صَالِحِ بْنِ طَرِيفٍ، كَحَرَكَةٍ سَعَتْ لِمَزْجِ مَوْرُوثٍ إِسْلَامِيٍّ عَامٍّ بِتَأْوِيلَاتٍ مَحَلِّيَّةٍ مُغْلَقَةٍ؛ فَجَعَلَتْ لِصَالِحٍ مَقَامَ “النُّبُوَّةِ الْخَاصَّةِ”، وَوَضَعَتْ “كِتَاباً” بِلِسَانٍ أَمَازِيغِيٍّ (مَصْمُودِيٍّ) تَضَمَّنَ ثَمَانِينَ سُورَةً حَمَلَتْ أَسْمَاءَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَيَوَانَاتِ (كَالدِّيكِ وَالْجَمَلِ وَغَرَائِبِ الدُّنْيَا). وَلَمْ يَكْتَفُوا بِالنُّصُوصِ، بَلْ عَدَّلُوا أَوْقَاتَ الشَّعَائِرِ وَأَشْكَالَهَا، فَفَرَضُوا عَشْرَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (خَمْساً نَهَاراً وَخَمْساً لَيْلاً) بِطُقُوسٍ إِيمَائِيَّةٍ، وَاسْتَبْدَلُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِصَوْمِ رَجَبٍ، وَجَعَلُوا تَجَمُّعَهُمُ الْأُسْبُوعِيَّ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ بَدَلَ الْجُمُعَةِ، وَأَحْدَثُوا تَحْرِيمَاتٍ خَاصَّةً كَتَحْرِيمِ أَكْلِ الْبَيْضِ وَرَأْسِ الْحَيَوَانِ وَلُحُومِ الدَّجَاجِ وَالدِّيَكَةِ، مَعَ تَشَدُّدٍ عِقَابِيٍّ دَمَوِيٍّ فِي قَضَايَا السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَسُلُوكِ الْجَمَاعَةِ.

عَلَى مُسْتَوَى الْقِبْلَةِ وَالْحَجِّ، لَا تُسْعِفُنَا الْمَصَادِرُ الْمُتَاحَةُ بِوَصْفٍ هَنْدَسِيٍّ دَقِيقٍ لِاتِّجَاهِ قِبْلَةِ الْبَرْغُوَاطِيِّينَ أَوْ وُجُودِ “مُصْحَفٍ فِقْهِيٍّ” يُحَدِّدُ لَهُمْ مَوْضِعاً بَدِيلاً عَنْ مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ تَشْرِيعَاتُهُمْ لَا تُظْهِرُ مَرْكَزِيَّةً وَاضِحَةً لِمَنَاسِكِ الْحَجِّ الْمَكِّيِّ فِي دِينِهِمْ، مَعَ اسْتِثْنَاءَاتٍ فَرْدِيَّةٍ مِثْلَ قِيَامِ أَحَدِ مُلُوكِهِمْ (يُونُسَ بْنِ إِلْيَاسَ) بِأَدَاءِ الْحَجِّ إِلَى الْمَشْرِقِ وَفْقَ مَا تَذْكُرُهُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ. غَيْرَ أَنَّ الدِّرَاسَاتِ الَّتِي حَلَّلَتْ مَنْظُومَتَهُمُ الشَّعَائِرِيَّةَ تُقَرِّرُ صَرَاحَةً أَنَّ الدَّافِعَ الْأَسَاسَ وَرَاءَ هَذِهِ الِانْحِرَافَاتِ الْمُنَظَّمَةِ عَنِ الْعِبَادَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمَأْلُوفَةِ ـ فِي عَدَدِ الصَّلَوَاتِ، وَتَوْقِيتِ الصَّوْمِ، وَيَوْمِ الِاجْتِمَاعِ، وَطَبِيعَةِ الطَّهَارَةِ ـ هُوَ تَأْكِيدُ اسْتِقْلَالِ “إِسْلَامٍ بَرْبَرِيٍّ مَحَلِّيٍّ” وَفَصْلُ الرَّابِطَةِ الرَّمْزِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ عَنْ مَرْكَزِيَّةِ الشَّرْقِ الْعَرَبِيِّ، بِمَا يَعْنِي أَنَّ اتِّجَاهَهُمُ الشَّعَائِرِيَّ كَانَ ـ مِنْ حَيْثُ الْوَظِيفَةُ ـ ابْتِعَاداً وَاعِياً عَنْ مَكَّةَ كَـ”مَرْكَزِ وَلَاءٍ” أَكْثَرَ مِنْهُ مُجَرَّدَ اخْتِلَافٍ فِي زَاوِيَةِ الْقِبْلَةِ. وَبِمَنْطِقِ الِاجْتِمَاعِ السِّيَاسِيِّ يُمْكِنُ فَهْمُ أَيِّ نُزُوعٍ إِلَى تَقْلِيلِ الِارْتِبَاطِ بِالْحَجِّ الْمَكِّيِّ وَتَضْيِيقِ نِطَاقِهِ فِي إِطَارِ رَغْبَةِ النُّخْبَةِ الْحَاكِمَةِ فِي حَصْرِ الثَّرْوَةِ دَاخِلَ الْإِقْلِيمِ، وَمَنْعِ تَسَرُّبِ الْمَوَارِدِ وَالْوَلَاءَاتِ إِلَى خَارِجِ الْمَجَالِ الْبَرْغُوَاطِيِّ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ فِي الْخِطَابِ عَلَى اسْمِ “الْإِسْلَامِ” لِتَأْمِينِ شَرْعِيَّةٍ دِينِيَّةٍ مُوَازِيَةٍ.

هَذِهِ الْبِنْيَةُ الْعَقَائِدِيَّةُ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَ إِصْلَاحٍ رُوحِيٍّ بِقَدْرِ مَا كَانَتْ أَدَاةً لِتَأْسِيسِ “شَرْعِيَّةٍ دِينِيَّةٍ مُوَازِيَةٍ” تَحْمِي اسْتِقْلَالَ كِيَانٍ “قَبَلِيٍّ-إِقْلِيمِيٍّ” عَنِ الْمَرْكَزِ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ جَلِيّاً فِي حُرُوبِهِمُ الْعَنِيفَةِ مَعَ الْقُوَى الْمُجَاوِرَةِ (أُمَوِيَّةٍ، فَاطِمِيَّةٍ، مُرَابِطِيَّةٍ)، وَسَعْيِهِمْ لِفَرْضِ مَذْهَبِهِمْ عَلَى الْقَبَائِلِ الْمُحِيطَةِ بِالْقُوَّةِ وَالسَّيْفِ، حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى صِدَامٍ اسْتِئْصَالِيٍّ قَضَى عَلَى دَوْلَتِهِمْ وَأَبْقَى عَقِيدَتَهُمْ فِي حَيِّزِ التَّارِيخِ الْأَرْشِيفِيِّ لَا فِي حَيِّزِ الْوَاقِعِ الْحَيِّ.

آفَةُ الْعَصْرِ: “الْعَرَبِيَّةُ” وَصْفُ فِطْرَةٍ وَأَصَالَةٍ لَا رَايَةٌ قَوْمِيَّةٌ

جَوْهَرُ الْأَزْمَةِ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي سَمَحَتْ بِظُهُورِ النَّزَعَاتِ الِانْفِصَالِيَّةِ يَكْمُنُ فِي أَنَّ كَلِمَةَ “عَرَبٍ” انْزَلَقَتْ عَبْرَ التَّارِيخِ الْحَدِيثِ مِنْ دَلَالَتِهَا الْفِطْرِيَّةِ إِلَى دَلَالَةٍ قَوْمِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ؛ فَصَارَتْ تُفْهَمُ بِاعْتِبَارِهَا اسْمَ “أُمَّةٍ” عِرْقِيَّةٍ بِعَيْنِهَا، تُحْمَلُ عَلَيْهَا صُعُوداً وَهُبُوطاً، تَقَدُّماً وَتَخَلُّفاً، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّفْظِ “الْعَرَبِيِّ” فِي الْوَعْيِ الْعَالَمِيِّ كَثِيرٌ مِنَ الشَّحْنِ السَّلْبِيِّ بِسَبَبِ سُلُوكِيَّاتِ وَتَخَلُّفِ دُوَلٍ وَجَمَاعَاتٍ احْتَكَرَتْ هَذَا الِاسْمَ لِأَنْفُسِهَا جِينِيّاً وَسِيَاسِيّاً. بَيْنَمَا التَّحْلِيلُ الصَّوْتِيُّ-الدَّلَالِيُّ لِلْجَذْرِ (ع-ر-ب) وَمَا يُلَازِمُهُ مِنَ اسْتِعْمَالَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ وَلِسَانِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ يُشِيرُ إِلَى مَعْنَى “الظُّهُورِ الْوَاضِحِ الْمُتَجَذِّرِ فِي أَصْلِهِ، الْأَصِيلِ الْمُنْسَجِمِ مَعَ الْفِطْرَةِ”، أَيْ إِلَى وَصْفٍ لِنَمَطٍ مِنَ الْبَيَانِ وَالْحُضُورِ وَالْأَخْلَاقِ وَالِانْسِجَامِ مَعَ سُنَنِ الْكَوْنِ، لَا إِلَى “جِنْسٍ” أَوْ “دَمٍ” أَوْ خَارِطَةٍ سِيَاسِيَّةٍ. وَمِنْ هذا الوجه  جاء وصف العربي للقرآن والحكم واللسان

 “قُرْآن عَرَبِيٍّ”{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }يوسف2 {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }الزمر 28أَيْ وَاضِحٍ وَبَيِّنٍ وَمُنْسَجِمٍ مَعَ سُنَنِ الْكَوْنِ وصراط مستقيم .

 وَ”حُكْم عَرَبِيٍّ” {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ }الرعد37

و “لسان عربي”{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }النحل 103، أَيْ لسان منطقي حيوي وَمُطَابِقٍ لِلْحَقِّ.

 وَ”أَخْلَاقٍ عَرَبِيَّةٍ” وَ”حِصَانٍ عَرَبِيٍّ” وَ”قَهْوَةٍ عَرَبِيَّةٍ” لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأَصَالَةِ وَالصَّفَاءِ وَالصَّلَاحِ، لَا عَلَى الِانْتِمَاءِ الْعِرْقِيِّ، مَا يَسْتَدْعِي تَحْرِيرَ مَفْهُومِ الْعُرُوبَةِ مِنْ سِجْنِ “الْقَوْمِيَّةِ الْعِرْقِيَّةِ” وَإِعَادَتَهُ إِلَى مَعْنًى إِنْسَانِيٍّ- قِيَمِيٍّ مَفْتُوحٍ يَتَّسِعُ لِلْجَمِيعِ، ولذلك العربية توصيف  مدح.

ولذلك حينما كان يقال للبدوي ياعربي يهش ويبش، وإن قيل يا أعرابي يغضب كما نقل ابن منظر في كتابه لسان العرب.

الْأَمَازِيغِيَّةُ قَوْمِيَّةٌ… وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ “عَرَبِيَّةً” بِالْمَعْنَى الْقِيَمِيِّ

بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ الْمَفَاهِيمِيِّ، فَإِنَّ الْأَمَازِيغِيَّةَ قَوْمِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ بِالْمَعْنَى الِاجْتِمَاعِيِّ-التَّارِيخِيِّ: لَهَا شَعْبٌ، وَلِسَانٌ، وَتَرَاكُمٌ ثَقَافِيٌّ خَاصٌّ، تَمَاماً كَمَا الْكُرْدِيَّةِ أَوِ التُّرْكِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْقَوْمِيَّاتِ. وَهَذَا لَا يَمْنَعُ أَبَداً أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقَوْمِيَّةُ “عَرَبِيَّةً” بِالْمَعْنَى الْفِطْرِيِّ-الْقِيَمِيِّ؛ أَيْ أَنْ تُعَبِّرَ بِالْأَمَازِيغِيَّةِ عَنْ مَنْظُومَةِ أَصَالَةٍ وَصَلَاحٍ وَانْسِجَامٍ مَعَ الْكَوْنِ وَالسُّنَنِ، وَأَنْ تَتَبَنَّى اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ أَدَاةَ بَيَانٍ وَتَوَاصُلٍ دِينِيٍّ وَحَضَارِيٍّ مَعَ بَقَاءِ لِسَانِهَا الْأُمِّ وَعَنَاصِرِ خُصُوصِيَّتِهَا الثَّقَافِيَّةِ. بِهَذَا الْمَعْنَى تصير “الْعَرَبِيَّةُ” إِطَاراً حَاضِناً وَفَضَاءً لِلتَّعَايُشِ وَالْأَصَالَةِ وَالسَّلَامِ، لَا مُنَافِساً عِرْقِيّاً يُلْغِي الْقَوْمِيَّاتِ أَوْ يَمْحُوهَا؛ فَكُلُّ قَوْمِيَّةٍ تَلْتَزِمُ مَنْظُومَةَ الْفِطْرَةِ وَالصَّلَاحِ يُمْكِنُ وَصْفُهَا بِأَنَّهَا “عَرَبِيَّةٌ” فِكْرِيّاً وَأَخْلَاقِيّاً، مِنْ دُونِ أَنْ تَفْقِدَ اسْمَهَا وَهُوِيَّتَهَا الْقَوْمِيَّةَ الْخَاصَّةَ.

خُطُورَةُ نَزْعِ أِيدْيُولُوجْيَا بَرْغُوَاطَةَ مِنَ التَّارِيخِ إِلَى الْحَاضِرِ (بَلْقَنَةُ الْهُوِيَّةِ)

إِنَّ إِعَادَةَ تَقْدِيمِ بَرْغُوَاطَةَ الْيَوْمَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الْبَاحِثِينَ وَالنُّشَطَاءِ (أَمْثَالِ مُحَمَّدٍ الْمَسِيحِ فِي تَنَاوُلِهِ لِلْمَخْطُوطَاتِ كَمُنْتَجٍ بَشَرِيٍّ، وَأَحْمَدَ عَصِيدٍ فِي طَرْحِهِ الْهُوِيَّاتِيِّ) بِوَصْفِهَا “نَمُوذَجَ دِينٍ أَمَازِيغِيٍّ أَصِيلٍ” فِي مُقَابِلِ “دِينٍ عَرَبِيٍّ وَافِدٍ”، تَنْقُلُ مَشْرُوعاً أِيدْيُولُوجِيّاً قَدِيماً مِنْ حَيِّزِ التَّارِيخِ الْمُغْلَقِ إِلَى حَيِّزِ الْحَاضِرِ الْمَفْتُوحِ عَلَى التَّوَتُّرِ وَالصِّرَاعِ. الْخَطَرُ هُنَا لَيْسَ فِي دِرَاسَةِ التَّجْرِبَةِ نَفْسِهَا أَكَادِيمِيّاً، بَلْ فِي تَسْيِيسِهَا لِإِعَادَةِ بِنَاءِ ثُنَائِيَّةِ “إِسْلَامٍ عَرَبِيٍّ / إِسْلَامٍ أَمَازِيغِيٍّ”، وَالتَّرْوِيجِ لِفِكْرَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ “مُنْتَجٌ تَارِيخِيٌّ مَشْرِقِيٌّ” يُوَازِيهِ “قُرْآنُ صَالِحِ بْنِ طَرِيفٍ الْمَغْرِبِيُّ”، مِمَّا يَهْدِفُ إِلَى “بَلْقَنَةِ” الْمِنْطَقَةِ (أَيْ تَفْتِيتِهَا إِلَى شَظَايَا مُتَنَاحِرَةٍ) وَإِعَادَةِ رَسْمِ خَرَائِطِ الْوَلَاءِ الدِّينِيِّ فِي الْمَغْرِبِ الْكَبِيرِ بَعِيداً عَنْ مَرْكَزِيَّةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ.

هَذَا الطَّرْحُ يَسْعَى لِتَحْوِيلِ الْعُرُوبَةِ مِنْ وَصْفٍ فِطْرِيٍّ-قِيَمِيٍّ جَامِعٍ إِلَى رَايَةٍ قَوْمِيَّةٍ مُعَادِيَةٍ، وَإِعَادَةِ تَفْعِيلِ مَنْطِقِ “النَّبِيِّ الْمَحَلِّيِّ وَالْكِتَابِ الْمَحَلِّيِّ” لِتَأْسِيسِ انْفِصَالٍ هُوِيَّاتِيٍّ وَنَفْسِيٍّ عَنِ الرِّسَالَةِ الْقُرْآنِيَّةِ ذَاتِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ وَالْعَالَمِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ، وَعَزْلِ الْمَغْرِبِ الْكَبِيرِ عَنْ أُمَّتِهِ الْإِسْلَامِيَّةِ. إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِحْيَاءِ الْأِيدْيُولُوجِيِّ يُعِيدُ تَدْوِيرَ آلِيَّاتِ بَرْغُوَاطَةَ نَفْسِهَا (دِينٌ مَصْلَحِيٌّ مُغْلَقٌ، عُنْفٌ رَمْزِيٌّ عَلَى الْمُخَالِفِ، تَعْبِئَةٌ قَبَلِيَّةٌ-قَوْمِيَّةٌ) فِي سِيَاقٍ جَدِيدٍ، وَيَفْتَحُ الْبَابَ لِتَفْكِيكِ الْهُوِيَّةِ الْجَامِعَةِ فِي الْمَغْرِبِ الْعَرَبِيِّ عَلَى أَسَاسِ الْعِرْقِ وَاللِّسَانِ بَدَلَ أَسَاسِ الْفِطْرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْقِيَمِ وَالصَّلَاحِ.

نَحْوَ عُرُوبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ حَاضِنَةٍ لَا قَوْمِيَّةٍ إِقْصَائِيَّةٍ

الْمَطْلُوبُ الْيَوْمَ لَيْسَ إِنْكَارَ الْأَمَازِيغِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْقَوْمِيَّاتِ، بَلْ إِعَادَةُ تَعْرِيفِ “الْعَرَبِيَّةِ” كَعُنْوَانٍ لِلْفِطْرَةِ وَالْأَصَالَةِ وَالِانْسِجَامِ الْأَخْلَاقِيِّ، يُمْكِنُ لِكُلِّ قَوْمِيَّةٍ أَنْ تَنْتَسِبَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ وَالْمَعْنَى لَا مِنْ حَيْثُ الدَّمُ وَالْجُغْرَافْيَا. فِي هَذَا الْأُفُقِ يَغْدُو الْقَوْلُ “أَنَا عَرَبِيٌّ” مَعْنَاهُ “أَنَا مُرْتَبِطٌ بِأَخْلَاقٍ أَصِيلَةٍ وَقِيَمٍ إِنْسَانِيَّةٍ مُنْسَجِمَةٍ مَعَ الْكَوْنِ”، لَا “أَنَا مِنْ قَوْمٍ ضِدَّ الْأَقْوَامِ الْأُخْرَى”. وَتَنْقَلِبُ الْعُرُوبَةُ مِنْ مَشْرُوعِ صِرَاعٍ قَوْمِيٍّ وَعِرْقِيٍّ بَغِيضٍ إِلَى فَضَاءٍ رَحْبٍ لِالْتِقَاءِ الْهُوِيَّاتِ تَحْتَ سَقْفِ رِسَالَةِ إِصْلَاحٍ كَوْنِيٍّ، وَيُمْنَعُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَمْرِيرُ مَشْرُوعَاتِ تَفْكِيكِ الْأُمَّةِ عَبْرَ إِحْيَاءِ أِيدْيُولُوجِيَّاتٍ تَارِيخِيَّةٍ مِنْ نَوْعِ بَرْغُوَاطَةَ وَتَحْوِيلِهَا إِلَى وَقُودٍ لِصِرَاعَاتٍ هُوِيَّاتِيَّةٍ جَدِيدَةٍ لَا تَخْدُمُ إِلَّا أَعْدَاءَ الْفِطْرَةِ وَالْإِنْسَانِ.