صيرورة الوجود بين هندسة الخلق وهيمنة الأمر

    دراسة في التوافق بين اللسان القرآني وعلم الكونيات الدائري

   تعد مسألة بدء الكون ونهايته من أعمق القضايا الفلسفية والفيزيائية التي تشغل العقل الإنساني. إن البدء يعد ضرورة منطقية عقلية لا غنى عنها لبناء أي نموذج كوني متماسك، والوجود الحادث ليس أزلياً بلا ابتداء، بل هو وجود سَرمدي؛ أي أن له نقطة انطلاق وتأسيس معلومة بتقدير الخالق الحكيم، ولكن ليس له نهاية تتلاشى إلى العدم المطلق، بل هو صيرورة مستمرة تتحول من طور إلى طور.

يقدم هذا المقال قراءة أكاديمية منهجية للربط بين السنن الكونية في اللسان القرآني وبين أحدث النظريات الفيزيائية الحديثة، بعيداً عن الموروثات التفسيرية البشرية، للوقوف على حقيقة النظام الذي يهيمن على هذا الوجود.

   أولاً: ثنائية الخلق والأمر والتدبير الإلهي

    يقدم اللسان القرآني تفريقاً بنيوياً حاسماً وحازماً بين بنية المادة في ذاتها، وبين النظام الحاكم والمشغل لها، ويتجلى هذا الإحكام التشريعي والكوني في قوله تعالى: «ألا له الخلق والأمر» (الأعراف : 54).

  • الخلق: هو إيجاد المادة الأولية، وصياغة الأجرام والجسيمات، وبناء المنظومة الفيزيائية في صورتها العينية الحادثة.

  • الأمر (الروح): هو القانون التشغيلي، والمعادلات الرياضية، والسنن المهيمنة التي تسير المادة وتحدد صيرورتها وتحولاتها.

هذا النظام السنني لا يعمل بآلية ميكانيكية عشوائية متروكة لذاتها، بل يخضع لقيادة وضبط مستمر يعبر عنه البيان الإلهي في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } (يونس : 3). ويتكامل هذا التدبير المستمر مع حفظ التوازن الفيزيائي للقوى الكونية الكبرى، منعاً لانهيار البناء الفلكي قبل أوانه، كما في قوله تعالى: «ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه» (الحج : 65). إن هذا الإمساك هو التعبير الأدق عن حفظ استقرار نسيج الزمكان حتى بلوغ الغاية النظامية المستهدفة للطور الحالي.

    ثانياً: آلية الطوي والتبديل الكوني في اللسان القرآني

   عندما يقرر الخالق إنهاء الطور الحالي للكون، لا يترك الأمر لعمر افتراضي ميكانيكي ممتد لمليارات السنين ببطء، بل يتدخل “الأمر” المهيمن لتوقيف الصيرورة الحالية، {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ }الزخرف66، والبدء بالتحول الجديد عبر آلية هندسية محكمة يُطلق عليها “الطوي”، كما في قوله تعالى: «يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب» (الأنبياء : 104).

تعريف الطوي فيزياءً: هو تقليص المسافات والحجم إلى نقطة متناهية في الصغر والكثافة، واختزال الفواصل المكانية الشاسعة بين الأجرام والمجرات.

هذا الاختزال الهندسي يؤدي إلى إسقاط الأبعاد الفيزيائية الحالية، ويحقق تماثلاً رياضياً تاماً تلتقي فيه خصائص النهاية بخصائص البداية عند تلك النقطة المتناهية. ومن هذه البؤرة المكثفة والمحكمة، ينبثق الخلق الجديد والتحول النظامي الشامل الذي يعبر عنه قوله تعالى: «يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات» (إبراهيم : 48).

فالتبديل هنا ليس فناءً لجوهر المادة وتحويلها إلى لاشيء، بل هو إعادة صياغة وبناء للطاقة والمادة وفق نظام فيزيائي مغاير تماماً للنظام الحالي، وهو الطور الذي يرتهن به مفهوم اليوم الآخر والبعث بعد الموت؛ حيث يولد الوجود من جديد بأمر الخالق الذي وضع السنن ويهيمن عليها.

    ثالثاً: علم الكونيات الدائري المطابق والتوافق العلمي

    يتلاقى هذا المنظور القرآني المحكم بشكل ملحوظ مع أحدث الأطروحات الفيزيائية المعاصرة، وتحديداً نظرية «علم الكونيات الدائري المطابق» التي صاغها عالم الفيزياء “روجر بينروز”، ونُشرت في مجلة «الرسائل المراجعة الفيزيائية». تطرح هذه النظرية تصوراً يعيد صياغة مفهومنا للزمن والروابط الكونية من خلال الأفكار التالية:

  • الدورات الكونية المتتالية: يفترض النموذج أن الكون يمر عبر سلسلة لا متناهية من الدورات الزمنية المتعاقبة التي تفصل بينها انفجارات عظيمة متتالية.

  • الموت الحراري وتلاشي المقاييس: يتمدد الكون حتى يصل إلى حالة برودة تامة وتتلاشى البنى المعقدة، فلا يتبقى سوى جسيمات عديمة الكتلة مثل الفوتونات، وبغياب الكتلة تفقد مفاهيم الحجم والمسافة والزمن معناها الفيزيائي المعتاد.

  • التكافؤ الرياضي للتحول: يصبح الكون الشاسع والبارد في نهايته مكافئاً تماماً من الناحية الرياضية والهندسية للكون الصغير شديد الكثافة والحرارة في لحظة الانفجار العظيم، مما يسمح بانتقال سلس إلى دورة كونية جديدة.

    التوافق بين العلم واللسان القرآني

    إن وجه التوافق الجوهري يكمن في إقرار الطرفين بأن الطاقة والمادة لا تفنيان مطلقاً، بل تتحولان من حال إلى حال وفق نظام جديد؛ فالتلاشي الهندسي للمقاييس والحجوم في النظرية يطابق تماماً مفهوم “الطوي” والتبديل الكوني في النص القرآني.

غير أن اللسان القرآني يتفوق بالبيان الغائي؛ إذ يخرج بالمسألة من الحتمية الميكانيكية المادية البطيئة التي تنتظر الموت الحراري الذاتي، ليثبت أن هذا التحول والبعث يتم بقرار وتدخل مباشر من الخالق المهيمن، عبر تسريع هذه السنن الكونية أو توقيف صيرورة الطور الحالي عند حده المستهدف لبدء الطور السَرمدي الجديد فوراً.

   خاتمة

   إن هذا التطابق العميق بين هندسة السنن الفيزيائية والكونية وبين الآيات القرآنية المحكمة، يوضح بصورة قطعية أن الوحي الصادر من لدن عليم حكيم يقدم القوانين الحاكمة للوجود في أعلى مستويات الإحكام العلمي واللساني. وتظل هذه الاكتشافات الكونية المتوالية التي يرفع العلم عنها الستار يوماً بعد يوم، تصديقاً وتجسيداً حياً للبيان الإلهي القاطع: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق» (فصلت : 53).