الاجتهاد بين التفكير البشري والسلطة الدينية

رد قرآني ومنطقي ولساني على مقال الأستاذ الدكتور محمود السرطاوي

رابط المقال: https://n9.cl/7qszv

نشر الأستاذ الدكتور محمود السرطاوي، أستاذ الفقه وأصوله في الجامعة الأردنية، مقالًا بعنوان: «ظاهرة التشكيك في اجتهادات العلماء.. كيف يمكن مواجهتها»، عرض فيه مفهوم الاجتهاد وشروطه وثمرته، ثم صوّر نقد اجتهادات العلماء بوصفه ظاهرة تهدد الدين ووحدة الأمة وتسقط القدوات العلمية. غير أن المقال خلط بين نقد الرأي البشري والطعن في الدين، وبين العالم بوصفه باحثًا وبين العالم بوصفه سلطة دينية، كما جعل أصول الفقه والمرويات والإجماعات المذهبية مصادر حاكمة على عملية التفكير، بدل أن يجعل القرآن المصدر الوحيد، والعقل واللسان والمنطق والواقع أدوات لفهمه وتنزيل قيمه.

الاجتهاد عملية بشرية وليس مصدرًا للدين

عرّف الكاتب الاجتهاد شرعًا بأنه استفراغ الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها في المسائل التي لم يرد نص في بيان حكمها. وهذا التعريف ليس تعريفًا قرآنيًا، بل اصطلاح صاغه الفقهاء بعد عصر الرسالة، وبنوه على افتراض وجود «أدلة شرعية» متعددة، تشمل القرآن والروايات والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب والعرف وسد الذرائع وغيرها.

أما من جهة اللسان، فالاجتهاد هو بذل الجهد والطاقة في الوصول إلى نتيجة، ولا يحمل في ذاته دلالة دينية ولا يمنح صاحبه سلطة تشريعية. فقد يجتهد الطبيب في تشخيص مرض، ويجتهد القاضي في فهم واقعة، ويجتهد الباحث في تحليل نص، ويجتهد المجتمع في وضع نظام يحقق المصلحة. فالاجتهاد عملية معرفية بشرية يمكن أن تصيب أو تخطئ، ولا يتحول ناتجها إلى حكم إلهي لمجرد أن القائم بها يحمل لقب عالم أو فقيه.

ولا يوجد في الدين مصدر ينشئ الحكم الملزم سوى القرآن. أما الاجتهاد فهو حركة عقلية لفهم النص والواقع، ثم اقتراح كيفية تنزيل القيم القرآنية على الحوادث المتغيرة. وما ينتجه المجتهد يبقى رأيًا بشريًا مؤقتًا، مرتبطًا بمعرفته وبيئته وبيانات عصره، ولا يجوز نسبته إلى الله بصيغة القطع.

الخلط بين النقد والتشكيك

عرّف الكاتب التشكيك بأنه إدخال الريبة وعدم الثقة في أقوال العلماء، ثم ربطه بالفوضى وتمزيق المجتمع وإسقاط القدوات. وبهذا التعريف صارت الثقة بأقوال العلماء أصلًا مطلوبًا، وصار فحصها ونقدها خطرًا ينبغي مواجهته.

لكن الشك المنهجي ليس هدمًا، بل مرحلة من مراحل الفحص. فالإنسان لا يصل إلى المعرفة بمجرد الثقة بالأشخاص، وإنما بالتثبت وطلب الدليل ومقارنة القول بالواقع. وقد أمر القرآن بالتبين فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6).

وطالب أصحاب الدعاوى بالبرهان فقال:

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).

ونهى عن اتباع ما لا يقوم عليه علم فقال:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36).

فالموقف القرآني لا يطلب من الإنسان الثقة غير المشروطة بالعالم، وإنما يطلب منه العلم والبرهان والتبين. ونقد اجتهاد العالم ليس طعنًا فيه ولا إسقاطًا لمكانته، بل فحص لعمله، كما يُفحص عمل الطبيب والمهندس والقاضي والباحث.

أما تحويل النقد إلى «تشكيك محرّم» فيؤدي إلى حماية الأخطاء من المراجعة، وإقامة طبقة فكرية فوق المساءلة، ثم جعل هيبة الأشخاص مقدمة على صدق الأفكار.

العالم صفة معرفية لا منصب ديني

لا يقدم القرآن العلماء بوصفهم طبقة تحتكر فهم الدين أو تملك حق إصدار الأحكام الملزمة للناس. فالعلم صفة تتعلق بالمعرفة في أي مجال، والعالم يُقبل قوله بقدر دليله واختصاصه، لا بسبب لقبه أو موقعه المؤسسي.

وقد ذم القرآن علماء من أهل الكتاب لأنهم حوّلوا المعرفة إلى سلطة وحجبوا الحق، فقال:

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 31).

ولا يعني اتخاذهم أربابًا السجود لهم بالضرورة، بل منحهم سلطة تقرير الحلال والحرام والطاعة الدينية بغير برهان من الله. والخطر نفسه يتكرر عندما يتحول الفقيه إلى مرجع فوق النقد، ويُطلب من الناس تلقي اجتهاداته بالقبول، ثم يعد الاعتراض عليه طعنًا في الإسلام.

العالم باحث، لا ممثل لله، ورأيه منتج بشري لا قداسة له. وإذا أخطأ وجب بيان خطئه، وإذا أصاب قُبل قوله لقوة دليله، لا لمجرد صدوره عنه.

آية الاستنباط لا تؤسس سلطة فقهية

استدل الكاتب بقوله تعالى:

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83).

لكن سياق الآية يتعلق بإذاعة أخبار الأمن والخوف في الجماعة، أي بإدارة المعلومات في ظرف سياسي أو عسكري حساس. فقد كان بعض الناس ينشر الأخبار قبل التحقق من صحتها وآثارها، فأمر النص بردها إلى الرسول وإلى أصحاب المسؤولية في الجماعة حتى يفحصها من يستطيع استخراج حقيقتها ونتائجها.

والاستنباط هنا هو استخراج المعلومة الكامنة وفهم آثار الخبر، وليس استنباط الأحكام الفقهية من الروايات. كما أن الآية لم تقل: «ردوه إلى العلماء»، ولم تنشئ طبقة دائمة تحتكر التشريع، بل قالت: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، أي القادرين منهم على تحليل الأمر بحسب موضوعه.

ففي القضايا الطبية يكون الاستنباط لأهل الطب، وفي القضايا الاقتصادية لأهل الاقتصاد، وفي الأمن لأهل الخبرة الأمنية، وفي اللسان لأهل المعرفة اللسانية. الاختصاص يتحدد بطبيعة المسألة، لا بلقب ديني عام يمنح صاحبه سلطة في كل مجال.

رواية معاذ لا تثبت منهجًا قرآنيًا

استند الكاتب إلى الرواية التي تذكر أن معاذًا حين أُرسل إلى اليمن قال إنه يقضي بكتاب الله، ثم بما قضى به الرسول، ثم يجتهد رأيه. وهذه الرواية، بصرف النظر عن الخلاف في ثبوتها، خبر تاريخي ظني، ولا يجوز أن تؤسس أصلًا في الدين لا يوجد في القرآن.

كما أن بناء الرواية نفسه يفترض أن الكتاب لا يحتوي الحكم، ثم ينتقل إلى مصدر آخر، ثم إلى الرأي. وهذا التصور يتعارض مع تقديم القرآن لنفسه كتابًا مفصلًا وحاكمًا:

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: 114).

وقال:

﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: 3).

ولا يعني تفصيل القرآن أن كل حادثة مستقبلية مذكورة باسمها، وإنما يعني أن القيم والقواعد والمبادئ الدينية الحاكمة قد فُصلت فيه. وما يستجد من تنظيمات بشرية يُعالج بالعقل والخبرة والمصلحة والواقع، مع الالتزام بالقيم القرآنية، ولا يُنسب إلى الله بوصفه حكمًا شرعيًا جديدًا.

شروط الاجتهاد بين المعرفة والوصاية

جمع الكاتب شروطًا متعددة للمجتهد، منها معرفة آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وعلوم الحديث والسيرة وأقوال الصحابة وإجماعاتهم وأعراف أهل مكة والمدينة وأصول الفقه والحقيقة والمجاز.

بعض هذه المعارف مفيد للباحث بوصفه مادة تاريخية أو لسانية، لكن تحويلها إلى شروط لازمة تمنع غير المتخصص في الموروث من التفكير في القرآن يؤدي إلى احتكار النص. فالقرآن نزل للناس، ولم يجعله الله كتابًا مغلقًا لا يفهمه إلا من أتقن علومًا أُنشئت بعده بقرون.

كما أن عددًا من هذه الشروط مبني على تصورات غير قرآنية. فالقول بالناسخ والمنسوخ استُعمل لإبطال أحكام قرآنية بدعوى أن آيات أخرى أزالتها، مع أن القرآن يصف آياته بالإحكام والاتساق. والاعتماد على أسباب النزول يجعل الرواية الخارجية حاكمة على دلالة النص. أما الحقيقة والمجاز فتصنيف بلاغي استُعمل أحيانًا لإخراج اللفظ من مفهومه الجذري بدل فهم ظهوره المادي أو المعنوي في السياق.

والشرط الصحيح للبحث ليس الانتماء إلى مدرسة فقهية، بل امتلاك أدوات الموضوع: معرفة اللسان، والسياق، والمنطق، والواقع، والتاريخ، ومجال المسألة، والقدرة على تقديم دليل قابل للفحص.

أصول الفقه بناء بشري لا علم منزل

ذكر الكاتب أن العلماء أقاموا للاجتهاد علمًا خاصًا هو «علم أصول الفقه»، وكأن وجود هذا العلم يمنح نتائجه حجية دينية. غير أن أصول الفقه بناء بشري نشأ لتنظيم طرائق المذاهب في الاستدلال، ولذلك اختلفت المدارس في مصادرها وترتيب أدلتها وقواعد القياس والاستحسان والمصلحة والإجماع والاستصحاب.

فلو كان هذا العلم تعبيرًا عن منهج إلهي واحد لما اختلف الأصوليون في أصوله الأساسية. لكن اختلافهم دليل على أنه علم تاريخي بشري، يمكن دراسته ونقده والاستفادة من بعض أدواته، ولا يجوز جعله حاكمًا على القرآن.

وتظهر المشكلة حين تتحول الأدوات إلى «أدلة شرعية» تنشئ أحكامًا باسم الله. فالقياس والاستحسان وسد الذرائع والعرف والمصلحة كلها عمليات عقلية بشرية. قد تكون نافعة في وضع القوانين والسياسات، لكنها لا تتحول إلى وحي، ولا يصح أن يسمى ما ينتج عنها «حكم الله» إلا إذا دل عليه القرآن دلالة بينة.

القرآن مصدر الدين والاجتهاد أداة تنزيل

استشهد الكاتب بقوله تعالى:

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 38).

ثم جعل كمال الكتاب مبررًا لاستخدام القياس والاستحسان والاستصحاب وسد الذرائع وغيرها لإنتاج أحكام جديدة. لكن الآية تؤكد كمال النظام المرجعي، ولا تمنح البشر حق إضافة مصادر دينية إليه.

فالقرآن مصدر الدين، والاجتهاد أداة لفهمه وتنزيل قيمه على الواقع. وعندما تظهر مسألة جديدة، لا يبحث المجتهد عن نص روائي يشبهها ثم يقيسها عليه ليعلن حكم الله، وإنما يحدد طبيعة الواقعة، ويجمع بياناتها، ويدرس آثارها، ثم يحتكم إلى قيم القرآن: العدل، والحرية، والمسؤولية، والوفاء، ومنع الضرر، وحفظ الحقوق، وعدم الإكراه.

والنتيجة التي يصل إليها تبقى حلًا بشريًا قابلًا للتعديل عند تغير المعلومات أو الظروف. ولا تُنسب إلى الله، لأن الله لم ينزلها نصًا.

اختلاف العلماء ينقض دعوى الإلزام

اعترف الكاتب بأن اختلاف المجتهدين نتيجة طبيعية لاختلاف الأفهام والقدرات والظروف، وأن الآراء الاجتهادية قابلة للمناقشة والترجيح. وهذا الاعتراف يهدم فكرة تجريم التشكيك أو النقد؛ فإذا كان الاجتهاد رأيًا قابلًا للاختلاف، فلا معنى لمطالبة الناس بتلقيه بالقبول أو اتهام من يرفضه بتفكيك الأمة.

فالاختلاف بين العلماء أنفسهم بدأ بنقد كل واحد منهم لأدلة الآخر ونتائجه. ولو كان نقد الاجتهاد إسقاطًا للقدوات، لكان تاريخ الفقه كله تاريخًا لإسقاط العلماء بعضهم بعضًا.

ولا يمكن السماح للعالم بنقد عالم آخر، ثم منع عامة الباحثين من فحص رأيه بحجة أنهم لا يملكون اللقب المؤسسي. المعيار هو قوة الدليل، لا هوية الناقد.

التناقض بين قبول النقد وتجريمه

دعا الكاتب إلى «تلقي أقوال العلماء بالقبول»، ثم قال إنها قابلة للمناقشة والترجيح. والجملتان متعارضتان؛ لأن الرأي الذي يُتلقى بالقبول قبل فحصه ليس رأيًا مفتوحًا للنقد، بل سلطة مفروضة.

المنهج العلمي يبدأ بالتعليق المؤقت للحكم، ثم فحص المقدمات والأدلة والنتائج. فإذا ظهر الصواب قُبل، وإذا ظهر الخطأ رُد. أما طلب القبول أولًا ثم السماح بمناقشة محدودة لا تمس مكانة العالم أو أصول المذهب، فليس بحثًا علميًا.

احترام الباحث لا يعني قبول قوله، ونقد قوله لا يعني إهانته. ومن يربط كرامته الشخصية بصحة جميع آرائه يخرج من مجال العلم إلى مجال السلطة.

اتهام الناقد في نيته مغالطة لا حجة

خصص الكاتب مساحة واسعة لربط نقد العلماء بأعداء الإسلام، والاستعمار، والإلحاد، والفسق، والدفاع عن الخمر والربا والمجون، والعمل الاستخباري، وإسقاط الحكم الإسلامي. وهذه اتهامات تتعلق بالنوايا والجهات، ولا تجيب عن أي نقد موجه إلى رأي فقهي.

حتى لو ثبت أن عدوًا انتقد قولًا لعالم، فإن ذلك لا يجعل القول صحيحًا. كما أن فساد نية الناقد، إن ثبت، لا يثبت صحة الفكرة التي ينتقدها. فالحكم على القضية يكون بدليلها، لا بهوية قائلها أو دوافعه.

والحديث عن مدارس تزرع أئمة ومفتين لأهداف استخبارية، وعن أشخاص اعترفوا بجنسيتهم وأهدافهم، يحتاج إلى وثائق وأسماء وقضايا مثبتة، لا إلى تعميمات مرسلة تستعمل لإثارة الخوف وإغلاق باب النقد.

واللافت أن الكاتب يعترف بوجود آراء مكذوبة ومرويات منقولة من ديانات أخرى داخل كتب التراث، وهذا الاعتراف يؤكد ضرورة النقد والمراجعة بدل تجريمهما. فكيف يمكن كشف المكذوب والدخيل إذا كان فحص أقوال العلماء يوصم بأنه تشكيك وهدم للقدوات؟

الاجتهاد لا يدخل في العقيدة

عرّف الكاتب التشكيك بأنه عدم الثقة بأقوال العلماء «في العقيدة والأحكام الشرعية». لكن العقيدة لا تكون محل اجتهاد بشري؛ لأنها تتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر والمسؤولية، ومصدرها القرآن.

فإذا قال عالم قولًا عقديًا لا يوجد في القرآن، فلا يصير من الدين بسبب اجتهاده. ولا يجوز أن تُبنى العقيدة على رواية ظنية أو إجماع مذهبي أو قياس. فالاعتقاد يحتاج إلى برهان يقيني، ولا يُطلب من الإنسان أن يعقد قلبه على رأي بشري مختلف فيه.

أما قضايا الواقع والتنظيم والاجتماع فهي مجال التفكير والاجتهاد، لكن نتائجها قوانين وحلول بشرية، وليست عقائد أو أحكامًا إلهية ثابتة.

الاجتهاد المنضبط وفق المنهج القرآني

الاجتهاد الصحيح لا يحتاج إلى طبقة كهنوتية، بل إلى منهج معرفي منضبط. يبدأ بتحديد المسألة والتمييز بين ما هو ديني وما هو تنظيمي، ثم جمع المعلومات الواقعية من أهل الاختصاص، ودراسة النصوص القرآنية ضمن منظومتها وسياقها، وضبط دلالة الألفاظ من مفاهيمها الجذرية، واستخدام المنطق لمنع التناقض والدور والمصادرة، ثم تقدير النتائج والمآلات.

ويجب أن يعلن المجتهد مقدماته وأدلته، وأن يقبل النقد، وأن يفرق بين النص والنتيجة التي استنبطها منه، وألا ينسب رأيه إلى الله. كما يجب أن يبقى الحكم قابلًا للمراجعة عند ظهور معلومات جديدة أو تغير الواقع.

بهذا المعنى يكون الاجتهاد حركة معرفية مسؤولة، لا أداة لإنتاج سلطة دينية.

النتيجة

قام مقال الأستاذ الدكتور محمود السرطاوي على خلط بين الدين واجتهادات العلماء، وبين النقد والتشكيك، وبين احترام الباحث وإلزام الناس برأيه. كما استخدم آية إذاعة أخبار الأمن والخوف لإثبات سلطة فقهية عامة، واستند إلى رواية ظنية لتأسيس منهج للاجتهاد، وجعل علومًا ومصادر تاريخية بشرية شروطًا لفهم كتاب أنزله الله للناس.

الاجتهاد ليس مصدرًا للدين، بل عملية عقلية بشرية. والعالم ليس مشرعًا ولا وسيطًا بين الله والناس، وإنما باحث يقبل قوله بالدليل ويرد بالدليل. وأصول الفقه والمذاهب والإجماعات والقياسات منتجات بشرية قابلة للنقد، ولا يجوز أن تنشئ حكمًا يُنسب إلى الله.

كما أن نقد اجتهاد العالم لا يهدم الإسلام، لأن الإسلام ليس قائمًا على الأشخاص. بل إن منع النقد هو الذي يفتح باب الاستبداد المعرفي، ويحفظ الأخطاء، ويحول العلماء إلى طبقة فوق المساءلة.

مصدر الدين واحد هو القرآن، واللسان والمنطق والعقل والواقع والتاريخ أدوات لفهمه. أما الاجتهاد فوظيفته البحث عن أفضل تنزيل بشري لقيم القرآن في واقع متغير، مع الاعتراف بأن النتيجة رأي إنساني قابل للصواب والخطأ.

والمنهج القرآني لا يقول للناس: اقبلوا أقوال العلماء ثم ناقشوها، وإنما يقول:

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).