الولاء والبراء: العمل هو الأصل

       حين نؤيد ظالمًا لأنه يشاركنا تصوراتنا، ونخذل عادلًا لأنه يخالفنا فيها، نكون قد جعلنا الانتماء أعلى من العدل، وحوّلنا الدين إلى عصبية. ويبدأ تصحيح هذا الخلل بإعادة العمل إلى موقعه: فهو أصل المسؤولية، وعليه يقوم الولاء والبراء. فلا يُوالى الإنسان لمجرد موافقته تصوراتنا، ولا يُتبرأ منه لمجرد اختلافه عنها؛ وإنما يتعلق الموقف بما يعمل: أيقيم عدلًا أم يمارس ظلمًا؟ أيحفظ الحقوق أم ينتهكها؟

وهذا الأصل يمتد من الاجتماع الإنساني إلى الحساب الأخروي؛ فالله يحاسب الناس يوم القيامة على أعمالهم، لا على مجرد تصوراتهم الذهنية، ويقول: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾. النحل: ٣٢. فالعمل حاضر في تعليل الجزاء، وتؤكده القاعدة الجامعة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ۝ ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾. الزلزلة: ٧–٨. لا يضيع خير لأن فاعله مختلف عنا، ولا ينقلب الشر خيرًا لأن مرتكبه يحمل اسم جماعتنا. والتصورات مهما علت دعواها لا تقوم مقام الأمانة والعدل والإحسان.

وعلى هذا يتحدد الولاء بوصفه اتصالًا ونصرة وتعاونًا في العمل الصالح، ويتحدد البراء بوصفه رفضًا للعمل الفاسد وامتناعًا عن دعمه. يقول تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾. المائدة: ٢. لقد عيّن النص موضوع التعاون والامتناع: البر والتقوى، والإثم والعدوان. ومن هنا يمكن أن نتعاون مع شخص في إغاثة محتاج، ونرفض مشاركته في استغلال عامل؛ فاختلاف الموقف يتبع اختلاف العمل.

ويزداد الأمر وضوحًا في قوله تعالى: ﴿فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون﴾. الشعراء: ٢١٦. فمتعلق البراء «مما تعملون»، وهذه الدقة تحفظ التمييز بين الإنسان وعمله. نرفض الظلم، ونمنع صاحبه منه، ونحاسبه عليه، دون تحويله إلى ذات منزوعة الكرامة أو محكومة بالرفض الأبدي. فالفاعل يتحمل مسؤولية فعله، وباب الإصلاح يبقى مفتوحًا، والموقف منه يتغير بتغير سلوكه.

ولهذا لا تقوم العلاقة مع المختلف على تفتيش تصوراته، وإنما على سلوكه معنا ومع الناس. يقول تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾. الممتحنة: ٨. فالقتال والإخراج أفعال، والبر والقسط أفعال أيضًا؛ والمعيار هنا ما يقع في الحياة من عدوان أو مسالمة، لا التطابق في التصورات.

ويبقى العدل حاكمًا حتى عند الخصومة: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. المائدة: ٨. فلا البغض يبيح الجور، ولا المحبة تبرر التواطؤ. وقد يكون مقتضى الولاء للحق معارضة القريب، ومقتضى القسط إنصاف الخصم. أما تأييد الإنسان في كل شيء، أو رفضه في كل شيء، فيلغي الميزان ويستبدل به العصبية.

وفي الواقع، يظهر الولاء في حفظ العهود والتكافل وخدمة المجتمع، ويظهر البراء في رفض الرشوة والتزوير والاستغلال. فنساند المؤسسة في عملها النافع، ونقاوم فسادها؛ ونأخذ العلم النافع من مصدره، ونرفض العدوان ولو صدر عن المصدر نفسه. وهكذا يجتمع بناء الروابط مع حمايتها من الانحراف.

العمل هو الأصل: به تُحفظ كرامة الناس أو تُنتهك، وبه يُبنى السلم أو يُهدم، وعليه يكون الحساب. لذلك نوالي العدل ممن صدر، ونتبرأ من الظلم ممن صدر؛ فلا التصورات تمنح صاحبها صك براءة، ولا الاختلاف فيها يسلب الإنسان حقه في الإنصاف، والإنسان يقَُوَّم من فعله وليس من تصوراته .