التواتر والتتابع بين الدين والعادات الشعبية
التواتر والتتابع بين الدين والعادات الشعبية
تقتضي الدراسة المنهجية الأصولية للقرءان الكريم ضبط المصطلحات التي يُبنى عليها فهم الدين ونقل ممارساته، والتمييز بين ما يثبت حصول الفعل وما يمنحه صفته التشريعية، ويأتي في مقدمة ذلك الفصل بين “التواتر” و”التتابع”، لما يترتب على الخلط بينهما من تسوية بين مجيء الأشخاص بعضهم وراء بعض وبين استمرار ممارسة يتلقاها اللاحق من السابق باتصال مباشر، فلا يستوي تعاقب الناقلين مع اتصال التعليم، ولا يستوي تجميع الروايات مع انتقال الفعل بالمشاهدة والمشاركة، ويقوم ضبط هذه العلاقة على إبقاء القرءان مصدراً للتشريع ومهيمناً على ما يُنسب إلى الدين، وتحديد وظيفة النقل دون منحه سلطة إنشاء الأحكام.
يتحدد “التواتر” بمجيء الأشخاص بعضهم وراء بعض، ولا يشترط هذا المجيء تواصلهم الشخصي أو تلقي أحدهم عن الآخر، إذ يدل ترتيب الأشخاص في الزمن على تعاقب وجودهم، ولا يثبت بمجرده قيام صلة بينهم، ويظهر معنى الفرد في الوتر المقابل للشفع في قوله تعالى (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (الفجر: 3)، فلا يتحول تعاقب الأفراد إلى اتصال لمجرد اجتماع أخبارهم عند من يجمعها، كما لا تتحول كثرتهم في زمن معين إلى دليل على وجود الكثرة نفسها في الأزمنة السابقة، ويحتاج إثبات التواصل إلى ما يثبت حصوله، فلا يقوم مجرد المجيء مقام التلقي، ولا يقوم جمع الأسماء مقام اتصال الممارسة.
ينشأ الخلل في الاحتجاج بتجميع الرواة حين يُنقل حكم الكثرة الموجودة في مرحلة إلى جميع مراحل الرواية، فيُجمع عدد من الرواة في زمن معين، ثم تُضم إليهم أسماء من أزمنة أخرى، وتُعامل الحصيلة العددية كأنها اتصال جماعي مستمر، مع أن التجميع لا يغير حقيقة الطريق الذي انتقل به الخبر، فإذا انفرد به راوٍ في مرحلة ثم كثر ناقلوه عنه، بقيت معرفتهم جميعاً راجعة إلى ذلك الفرد، ولم تصر رواياتهم مشاهدات مستقلة للحدث، ولا تعالج كثرة المتأخرين انفراد المتقدم، كما لا يثبت تكرار الخبر أن كل من كرره تلقاه من أصل مستقل، فيظل الفرق قائماً بين كثرة الأشخاص الذين يروون القول وبين اتصال معرفتهم بالواقعة التي يروونها، ولا يصنع جمعهم بعد ذلك تواصلاً لم يحصل بينهم.
يشترط “التتابع” التواصل والاستمرار، فيتلقى اللاحق من السابق ما يمارسه، ويشارك فيه، ثم ينقله بالأداء والتعليم في الجيل ذاته، ويتحقق بذلك اتصال عملي بين الأجيال، فلا يقف المتعلم أمام خبر عن ممارسة غائبة؛ بل يدخل في ممارسة قائمة يشاهدها ويتعلمها ويؤديها، ويشهد لأصل الاتصال في التتابع قوله تعالى (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) (النساء: 92)، فلا يتحقق التتابع بمجرد وجود شهر ثم وجود شهر آخر منفصل عنه، وإنما يتحقق باستمرار أحدهما في إثر الآخر، ويتحدد اتصال التتابع العملي باستمرار انتقال الممارسة بين القائمين بها، لا بأن يظل الفعل منفذاً في كل لحظة، إذ تتكرر الصلاة في أوقاتها ويتكرر الحج في موسمه، ويستمر تعليمهما وأداؤهما دون انقطاع في انتقالهما بين الأجيال.
يفيد التتابع العملي القطع بحصول الممارسة وثبوتها على الهيئة التي استمر أداؤها، لأن الممارسة الحاضرة فيه متصلة بالممارسة السابقة من خلال التلقي والتنفيذ، فلا تبدأ معرفتها من جمع أخبار الماضي؛ بل من فعل قائم في الجيل ذاته وامتد أداؤه عبر الأجيال، ويحمل كل جيل ما تلقاه إلى الجيل الذي يليه بالمشاهدة والمشاركة والتعليم، ويقوم القطع على هذا الاتصال المستمر، فلا يحتاج الفعل في كل جيل إلى إعادة إنشائه من روايات متفرقة، ولا تتوقف معرفته على فرد يحكيه للناس بعد غيابه، ويتعلق ما يثبته هذا التتابع بحصول الفعل واستمرار هيئته، أما الحكم على مشروعيته وانتسابه إلى الدين فيرجع إلى المصدر التشريعي، فلا يلزم من القطع بثبوت الممارسة القطع بأنها مأمور بها من الله.
يفصل القرءان بين اتباع ما أنزل الله واتباع الموروث لمجرد انتقاله عن الآباء، فيقول تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (البقرة: 170)، فينقض جعل الوراثة الاجتماعية حجة تعلو على التعقل والهداية، ولا يمنح استمرار الممارسة بين الآباء والأبناء صفة التشريع، كما لا يجعل كثرة المتبعين برهاناً على صحة ما يتبعونه، ويتحدد موضع الخلل في الانتقال من إثبات أن الناس فعلوا أمراً إلى القول إن الله أمرهم به، فالأول يتعلق بواقع الممارسة، ويتعلق الثاني بنسبة الحكم إلى الله، ولا تُستخرج هذه النسبة من العدد أو القدم أو الاعتياد.
يضبط القرءان التعامل مع النبأ في الواقع المعاش، فيقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، فيتصل التبين بصحة الخبر وما يترتب على العمل به من آثار، ويُتعامل مع نبأ العدل ابتداءً بالثقة العملية في شؤون المعاش، ويستوجب نبأ الفاسق التبين، دون أن يتحول التعامل مع الأخبار إلى مصدر لإنشاء الأحكام الدينية، فلا يوجب قبول خبر عن حصول واقعة اتخاذ مضمونه تشريعاً، كما لا يقوم الإخبار بوقوعها مقام البحث في أسبابها والسنن التي تحكمها، إذ تختلف معرفة حصول الحدث عن تفسير كيفية حدوثه، ويظل لكل مجال ما يناسبه من دليل.
ينضبط اعتماد التتابع العملي بجملة من الشروط المتصلة بطبيعة موضوعه ووظيفته، فيتعلق بفعل ظاهر واقع ضمن المعقولات والممكنات المادية، ويتحقق انتقاله بالتواصل المستمر والممارسة، ولا ينشئ حكماً تشريعياً مبتدأ، ولا يثبت بمجرده مفهوماً مجرداً أو تأويلاً أو قانوناً من قوانين الطبيعة، وينحصر الاحتجاج به في الفعل الذي يستمر أداؤه، دون إلحاق الأقوال التي تُروى عنه والتفسيرات التي تُضاف إليه بحكم ثبوته، فلا تصير الفكرة صحيحة لأن الأجيال كررتها، ولا تثبت أسباب الواقعة لأن الناس اعتادوا تفسيرها على وجه معين، وإذا تعلق الفعل بالدين وجب أن ينبثق أصل حكمه من القرءان، وأن تنتظم ممارسته تحت هيمنته، وألا يصادم ثابتاً قرءانياً.
تظهر الوظيفة التعليمية للتتابع في الهيئات التطبيقية للأحكام التي ثبت أصلها في القرءان الكريم، فيؤدي وظيفة “مصدر معرفي تعليمي” ينقل كيفية الأداء “السنة”، دون أن يكون مصدراً مستقلاً للتشريع، ويتجلى ذلك في الصلاة والحج بما لهما من هيئة عملية يتعلمها الناس بالمشاركة والمشاهدة، فقد ثبت حكم الصلاة وأركانها العامة بالنص القرءاني، ومارسها الرسول والمؤمنون في واقعهم المشهود، وتتابعت هيئتها العملية بالتعليم والأداء عبر الأجيال دون انقطاع، فثبت حصولها واستمرارها من اتصال الممارسة نفسها، ولم يحتج كل جيل إلى تجميع أسماء الرواة ليعرف كيف يدخل في الصلاة أو يتابع أداءها، ويثبت التتابع في هذا الموضع الهيئة التطبيقية للحكم، بينما يثبت القرءان أصل الحكم ومرجعيته.
يحيل القرءان في الحج إلى ممارسة جماعية معلومة، فيقول تعالى (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: 199)، فيرتبط تنفيذ الأمر بفعل مشهود يتعين به موضع الإفاضة، وتظهر من هذه الإحالة العلاقة بين النص الآمر والممارسة التي يتعلم الناس من خلالها التنفيذ، فلا ينشئ اجتماع الناس الأمر بالإفاضة؛ بل يأمر القرءان بها ويحيل في أدائها إلى فعل معلوم، ويتصل اتباع سبيل المؤمنين بهذا الانضباط بالهدى، كما في قوله تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: 115)، فينتظم اتباعهم في تنفيذ الحكم ضمن اتباع الهدى الذي تبين، ولا يتحول إلى اتباع لكل ما يوجد بين الناس من عادات وأقوال.
تنتظم القيم الكلية والمبادئ الأخلاقية والوصايا العامة ومحرمات النكاح والطعام والبيوع بمرجعيتها القرءانية، ولا تستمد أحكامها من وجود هيئة حركية شعبية يتناقلها الناس، فلا يحتاج تحريم فعل إلى إثبات أن الأجيال اعتادت تحريمه، ولا يسقط حكم قرءاني لأن مجتمعاً تتابع على مخالفته، ويتحدد الفرق بين هذه المجالات وبين تعليم هيئة الصلاة والحج بطبيعة المعرفة المطلوبة، فيرجع تعيين الحكم إلى النص، ويؤدي التتابع دوره في نقل الهيئة العملية حيث يتعلق الحكم بأداء تتعلم كيفيته بالممارسة، ولا تتوسع هذه الوظيفة حتى تشمل إنشاء الاعتقادات أو فرض التأويلات أو إضفاء الإلزام على الأعراف.
يفصل هذا الضبط بين “التتابع التشريعي التعليمي” و”التتابع الشعبي”، فيتعلق الأول بتعليم الهيئة التطبيقية لتشريع نزل أصله في القرءان، وتصف كلمة “التشريعي” موضوع التعليم، ولا تمنح وسيلة نقله حق التشريع، ويتعلق الثاني باستمرار العادات والتقاليد والأعراف بين الأجيال، ويثبت تتابعها حصولها وانتقالها كما يثبت التتابع العملي حصول الفعل، دون أن يمنحها حجية في الدين، فلا تختلف قاعدة الإثبات التاريخي باختلاف رضا الناس عن الممارسة أو رفضهم لها، وإنما يختلف الحكم على المضمون بالرجوع إلى مرجعيته، فإن وافق التتابع الشعبي أمراً مأذوناً به بقي في مجاله، وإن خالف النص القرءاني سقط الاحتجاج به، فلا يُحوِّل طول الزمن الخطأ إلى صواب، ولا يصير الاعتياد أمراً إلهياً.
يقوم البرهان في التتابع العملي على استمرار الفعل واتصال تعليمه بين الأجيال، فيثبت به حصول الممارسة على ما هي عليه، ولا يتجاوز هذا الإثبات إلى منحها المشروعية من خارج القرءان، ويمنع الفصل بين الوظيفتين الخلط بين الدين والعادات الشعبية، فلا يُرفض الفعل لمجرد أنه منقول بالممارسة، ولا يُقبل في الدين لمجرد أنه مستمر بين الناس، ويثبت الحكم من مصدره، وتُعرف الهيئة من تتابع أدائها، ويُعرض ما يصاحبها من أقوال وتأويلات وأعراف على النص القرءاني، ليبقى القرءان هو المهيمن والحاكم على الموروث، ويبقى التتابع وسيلة معرفية تعليمية تنقل التطبيق دون أن تنشئ ديناً إلى جانب الدين.
samer Islamboli2026-09-15T20:59:41+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
اضف تعليقا