العلم والمنهج والاصطلاح

دراسة إبستمولوجية في قواعد نقد الحديث وظنية نتائجه

      تسمية «علم الحديث» تسمية تراثية مشروعة إذا استُعملت كلمة «العلم» بمعناها القديم الواسع: معرفة منظمة لها موضوع وقواعد ومصطلحات. لكن الإشكال يبدأ عندما يُستعمل الاسم لإثبات أن قواعد تصحيح الحديث علمية بالمعنى المعرفي، وأن الحديث الذي يستوفيها يكون قد ثبت علميًا صدوره عن النبي.

وهنا ينبغي تحديد معنى «القاعدة العلمية». فالعلمية ليست محصورة في التجربة المختبرية؛ بل تشمل كل قاعدة ثبتت تجريبيًا أو منطقيًا بحيث لا تتوقف صحتها على اتفاق جماعة معينة عليها، ويمكن لأي باحث، بصرف النظر عن ثقافته أو مذهبه، استعمالها والوصول بها إلى النتيجة التي تسمح بها الأدلة.

فاستحالة أن يسمع رجل من شخص مات قبل ولادته قاعدة منطقية تاريخية. وكون الذاكرة البشرية عرضة للخطأ حقيقة تجريبية. وكون الشهادات المستقلة أقوى من شهادة واحدة تكررت على ألسنة متعددة مبدأ احتمالي عقلائي. هذه قواعد لا تحتاج إلى الانتماء إلى مدرسة حديثية لقبولها.

أما القاعدة الاصطلاحية فهي التي تنشأ بتوافق أهل فن على تعريف أو معيار؛ والقاعدة العرفية تستند إلى قيم المجتمع؛ والحكم على الخبر يعتمد على تقدير الناقد وخبرته وحدسه.

وعند تحليل «علم الحديث» على هذا الأساس يتبين أنه لا يقوم على نوع واحد من القواعد، وإنما يضم قواعد عقلية وتجريبية صحيحة، إلى جانب قواعد اصطلاحية وعرفية وتقديرية. ومن هنا تكون النتيجة التي يصل إليها مصحح الحديث في الأصل نتيجة ظنية احتمالية، لأن أهم مقدماتها وأدواتها نفسها ظنية ونسبية.

القاعدة العلمية والقاعدة الاصطلاحية

يمكن التمييز بينهما بسؤال بسيط:

هل صحة القاعدة قائمة على برهان مستقل عن اتفاق أصحاب الفن عليها؟

إذا كان الجواب نعم، فهي قاعدة علمية أو عقلانية عامة.

مثلاً:

«لا يمكن أن يروي شخص مباشرة عمن توفي قبل ولادته».

هذه ليست قاعدة اخترعها المحدثون، بل نتيجة منطقية يلتزم بها كل مؤرخ.

أما قولنا:

«إذا كان الراوي عدلًا ضابطًا واتصل سنده ولم يشذ ولم يعل، سمينا حديثه صحيحًا»

فهذا تعريف اصطلاحي لفئة من الأخبار. يمكن أن تكون للشروط أسباب عقلانية، لكن تسمية الناتج «صحيحًا» وتقسيم الروايات إلى صحيح وحسن وضعيف نظام تصنيفي وضعه أهل الفن.

الفرق حاسم؛ لأن:

استيفاء شروط فئة اصطلاحية لا يساوي بالضرورة إثبات الواقعة الخارجية التي تتحدث عنها الرواية.

فالحديث قد يكون «صحيحًا» بمصطلح المحدثين، والسؤال التاريخي يبقى: هل قال النبي هذا الكلام فعلًا؟

وقد أدرك ابن الصلاح هذا الفرق، فبيّن في مقدمته عند تعريف الصحيح أن قولهم «حديث صحيح» لا يعني بالضرورة القطع بأنه صحيح في نفس الأمر، وإنما يعني استيفاء شروط الصحة المذكورة.

وهذه نقطة إبستمولوجية مركزية: الصحة الحديثية حكم على الرواية وفق نظام من الشروط، وليست هي نفسها مشاهدةً للواقعة التاريخية.

فحص قواعد السند: ما العلمي فيها وما الاصطلاحي؟

  1. المعاصرة واللقاء

التحقق من أن الراوي وشيخه عاشا في زمن واحد قاعدة تاريخية عقلانية. وإذا ثبت أن أحدهما مات قبل ولادة الآخر استحال السماع منطقيًا.

لكن إذا ثبت أنهما تعاصرا، فما الذي ثبت؟

ثبت إمكان اللقاء، لا وقوع اللقاء المعين، فضلًا عن ثبوت أن الحديث المحدد نُقل في ذلك اللقاء.

حتى إذا ثبت أنهما التقيا مرة، لا يلزم منطقيًا أن الراوي سمع منه الرواية التي بين أيدينا.

إذن:

استحالة اللقاء دليل قطعي على الانقطاع، لكن إمكان اللقاء ليس دليلًا قطعيًا على السماع.

وهذه لا تماثل بين الطرفين. النفي هنا قد يكون يقينيًا، أما الإثبات فيظل استدلالًا تاريخيًا احتماليًا.

وعندما يختلف المحدثون في كفاية المعاصرة، أو اشتراط ثبوت اللقاء، أو حكم صيغة «عن فلان»، ندخل من القاعدة التاريخية العامة إلى قواعد المدرسة الحديثية في إثبات الاتصال.

  1. عدالة الراوي

العدالة شرط مركزي في الحديث الصحيح، لكنها ليست مفهومًا تجريبيًا قابلًا للقياس.

فالعدالة عند المحدثين مرتبطة بالدين والاستقامة واجتناب الفسق وما يخل بالمروءة.

وهنا تختلط ثلاثة أشياء:

الأخلاق، والعرف الاجتماعي، وصدق الخبر.

لكن الإنسان الصالح قد ينسى، والثقة قد يخطئ، وسيئ السلوك قد يخبر بواقعة صحيحة. فلا توجد قاعدة منطقية تقول:

صلاح الإنسان صحة كل خبر ينقله.

كما أن «المروءة» مفهوم عرفي يتغير بتغير المجتمعات. فما يعد خادشًا للمروءة في مجتمع قد يكون عاديًا في مجتمع آخر.

لذلك فالعدالة أقرب إلى شرط تقليدي لأهلية الشاهد منها إلى أداة علمية لإثبات الواقعة.

  1. ضبط الراوي

هذا الشرط أقوى علميًا؛ لأن قياس دقة الناقل بمقارنة رواياته بروايات الآخرين فكرة عقلائية.

إذا وجدنا شخصًا يخطئ بكثرة في الأسماء والألفاظ والأسانيد، فمن المنطقي خفض الثقة بنقله.

لكن المشكلة تبدأ عند الانتقال من المبدأ إلى التصنيف:

متى يصبح الرجل «ثقة»؟

ومتى يكون «صدوقًا»؟

وكم خطأً يحوله إلى «سيئ الحفظ»؟

وما الفرق الكمي بين «ثقة ثبت» و«صدوق يهم»؟

لا توجد وحدات قياس مستقرة من قبيل:

ثقة = دقة 98%.

صدوق = 90%.

ضعيف = 60%.

بل هي أحكام نوعية تقوم على الخبرة أصدرها النقاد، ولهذا اختلفوا في الراوي الواحد.

إذن مبدأ اختبار الضبط عقلاني، لكن رتب الجرح والتعديل وألفاظها وأوزانها أحكام اصطلاحية وتقديرية.

  1. الجرح والتعديل

قول ناقد عن رجل «ثقة» معلومة تاريخية مهمة، لكنه لا يشبه قياس طول جسم أو تحليل عينة.

إنه حكم إنسان على إنسان.

وقد يعتمد على سماع، أو مجالسة، أو مقارنة مرويات، أو شهرة، أو أخبار نقلها آخرون، أو انطباع تكوّن لدى الناقد.

ولهذا يمكن أن يقول أحدهم:

ثقة.

ويقول آخر:

ليس بالقوي.

ويقول ثالث:

صدوق يخطئ.

ولو كانت «الثقة» خاصية قابلة للقياس بطريقة موضوعية واحدة، لتوقعنا تقاربًا أكبر في النتائج.

الاختلاف لا يجعل الأحكام بلا قيمة، لكنه يكشف أنها شهادات خبراء وليست نتائج يقينية.

  1. الشذوذ

مقارنة الروايات المختلفة قاعدة بحثية ممتازة.

إذا خالف راوٍ واحد مجموعة من الرواة الأقوى، فمن العقلانية التساؤل عن روايته.

لكن متى تكون الزيادة شذوذًا؟

ومتى تكون معلومة إضافية حفظها الراوي؟

وهل «زيادة الثقة» مقبولة دائمًا؟

وأي الراويين أرجح؟

هنا يعود الحكم إلى وزن مجموعة من الاعتبارات، ولذلك قد يصحح ناقد طريقًا ويعله آخر.

فالقاعدة العامة علمية:

قارن الشهادات وابحث عن التناقض.

أما الحكم النهائي:

هذه المخالفة شاذة وتلك ليست شاذة

فغالبًا ترجيح خبرائي.

  1. العلة

علم العلل يكشف أكثر من غيره طبيعة الخبرة لنقد الحديث.

قد يكون السند ظاهره متصلًا ورجاله ثقات، ثم يقول ناقد كبير: هذا الحديث معلول.

كيف عرف؟

بمعرفة واسعة بطرق الحديث، وعادات الرواة، ومرويات الشيوخ، وبمقارنة لا يستطيع المبتدئ إجراءها بسهولة.

هذه خبرة مهمة، لكنها ليست قاعدة عامة من قبيل:

إذا تحقق الشرط A و B وC  فالحديث معلول بالضرورة.

بل نجد عبارات من قبيل: «هذا الحديث لا يشبه حديث فلان»، أو «الصواب فيه الوقف»، أو «وهم فيه فلان».

الأدق تسمية ذلك حكمًا حدسيًا قائمًا على خبرة تراكمية.

والخبرة قد تكون قوية، لكنها لا تحول رأي الخبير إلى يقين.

الفرق بين «الثقة» وصدق الرواية

هذه من أهم المشكلات المنطقية.

قولنا:

فلان ثقة

يعني في أحسن الأحوال:

هو غالبًا صادق ودقيق في النقل.

ولا يعني:

كل خبر رواه صحيح بنسبة 100%.

بل وجود علوم «الوهم» و«العلل» و«الاختلاط» و«سيئ الحفظ» دليل على اعتراف المحدثين أنفسهم بأن الثقات يخطئون.

فإذا كان:

الثقة قابلًا للخطأ،

فإن:

خبر الثقة قابل للخطأ.

وإذا كان السند يتكون من عدة رواة، فكل مرحلة تمثل احتمالًا آخر للخطأ، فضلًا عن إمكان الخطأ قبل النقطة التي استطاعت كتب الرجال الوصول إليها.

إذن لا يجوز منطقيًا الانتقال من:

كل رجال السند ثقات

إلى:

إذن المتن صدر يقينًا عن النبي.

فالنتيجة الأقوى التي تسمح بها المقدمة هي:

ازدادت الثقة بالرواية وفق المعطيات المتاحة.

وهذه عبارة احتمالية لا يقينية.

تعدد الطرق واستقلال المصادر

يقال أحيانًا إن كثرة طرق الحديث تقويه. وهذا صحيح من حيث المبدأ إذا كانت الطرق مستقلة.

لو رأى خمسة أشخاص الحادثة ، فشهادتهم أقوى من شهادة شخص واحد.

لكن إذا أخذ الخمسة الخبر من شخص واحد، فليس لدينا خمس شهادات مستقلة، بل خبر واحد تفرع إلى خمسة رواة.

وقد يبدو الإسناد في الكتب متشعبًا بينما ترجع الفروع في مرحلة أقدم إلى مصدر مشترك.

لذلك لا تكفي كثرة الأسانيد عددًا؛ بل يجب إثبات استقلالها.

وإثبات هذا الاستقلال نفسه قضية تاريخية ظنية، خصوصًا في بيئة الرواية الشفهية، حيث لا نملك دائمًا توثيقًا كاملًا للاتصالات بين الرواة.

إذن قاعدة:

كثرة الأدلة المستقلة تزيد الاحتمال

قاعدة عقلائية.

لكن:

كثرة الأسانيد = استقلال الأدلة

ليست قاعدة لازمة.

غياب العلة لا يثبت عدم وجودها

هناك فرق منطقي أساسي بين:

لم نجد علة

و

ثبت أنه لا توجد علة.

الأولى تتحدث عن معرفتنا، والثانية عن الواقع.

قد يكون الناقد لم يعرف طريقًا ضائعًا، أو راوياً وسيطًا، أو مصدرًا أقدم للرواية، أو اختلافًا لم يصل إلى عصره.

فالتراث الذي بين أيدينا ليس جميع ما قيل وروي، بل ما بقي ووصل.

وعندما يقول الباحث:

«لم نجد ما يخالف هذه الرواية»

فالمقصود الصحيح:

«لم نجد في المادة الباقية لدينا ما يخالفها».

وهذا لا يساوي:

«لم توجد مخالفة أصلًا».

ولهذا فإن انتفاء الشذوذ والعلة حكم مرتبط بحدود المادة المتاحة للباحث، ومن ثم فهو نسبي إلى المعرفة المتوافرة في زمنه.

لماذا تكون نتيجة التحقيق الحديثي ظنية بالضرورة؟

يمكن إثبات ذلك منطقيًا دون الدخول في أي موقف ديني.

لنفرض أن المحقق يريد إثبات القضية:

النبي قال النص (س).

لكي يصل إليها بواسطة الإسناد يحتاج إلى مقدمات من نوع:

  1. الراوي الأخير نقل النص كما سمعه.

  2. وشيخه نقله كما سمعه.

  3. وكل راوٍ في السلسلة فعل ذلك.

  4. وثبت السماع بين كل اثنين.

  5. ولم يحدث إدراج أو اختصار أو نقل بالمعنى غيّر الدلالة.

  6. ولم يقع خطأ في نسبة الإسناد.

  7. ولم يكن للسند أصل مصطنع سابق.

  8. ولم توجد علة خفية لم تصل إلينا.

  9. وكانت أحكام النقاد على الرواة صحيحة.

  10. وكانت الطرق التي تقوي الحديث مستقلة بالفعل.

هل هذه المقدمات يقينية؟

لا.

بعضها مرجح، وبعضها محتمل، وبعضها قائم على شهادة بشرية، وبعضها على تقدير النقاد.

ومن القواعد المنطقية أن النتيجة الاستدلالية لا تستطيع أن تكتسب يقينًا غير موجود في مقدماتها لمجرد جمعها، ما لم يأت دليل مستقل يحسم المسألة.

فإذا كانت المقدمات:

«نرجح أنه سمع»،

«يبدو أنه ضابط»،

«قال النقاد إنه ثقة»،

«لم نجد علة»،

فلا يمكن أن تصبح النتيجة منطقيًا:

ثبت يقينًا أن النبي قال هذا.

بل تكون:

يرجح وفق هذه الأدلة وهذه القواعد أن الرواية نُقلت على هذا الطريق.

وهذه هي طبيعة الاستدلال الظني.

الظنية ليست طعنًا في قيمة المنهج

وصف النتيجة بأنها ظنية لا يعني أنها مساوية للتخمين.

الاحتمالات درجات.

قد يكون لدينا خبر ضعيف جدًا، وخبر متوسط القوة، وخبر شديد القوة.

والبحث العلمي نفسه يعمل كثيرًا بالاحتمال.

لكن الفرق بين البحث العلمي والانطباع هو أن الباحث يجب أن يحدد درجة القوة وحدود الاستنتاج، ولا يحول الترجيح إلى يقين دون دليل.

إذن نقد الحديث يمكن أن ينتج معرفة تاريخية ذات قيمة:

هذا الطريق أقدم من ذاك.

هذا الراوي أخطأ أكثر من غيره.

هذه الصيغة ظهرت متأخرة.

هذه الروايات يبدو أنها تعود إلى مصدر مشترك.

لكن كل ذلك لا يساوي تلقائيًا:

ثبت أن النبي تلفظ بهذه الجملة نفسها.

نسبية الحكم الحديثي

الحكم الحديثي نسبي كذلك من عدة وجوه.

هو نسبي إلى المادة التي وصلت إلى الناقد؛ فقد يعرف ناقد طريقًا لا يعرفه آخر.

ونسبي إلى تقويم الرواة؛ فقد يوثق عالم من يضعفه غيره.

ونسبي إلى قواعد المدرسة؛ فيختلف الحكم باختلاف قبول المرسل أو عنعنة المدلس أو زيادة الثقة أو تقوية الضعيف بالشواهد.

ونسبي إلى خبرة الناقد؛ فقد يرى أحدهم علة خفية لا يراها الآخر.

ولهذا نجد الحديث نفسه:

صحيحًا عند عالم،

حسنًا عند آخر،

ضعيفًا عند ثالث.

ولو كان الحكم «صحيح» وصفًا موضوعيًا ثابتًا في ذات الحديث مثل عدد كلماته، لما تغير بتغير المحقق.

والأصح أن نقول إن:

الصحة والضعف أحكام معرفية يصدرها الباحث على ضوء الأدلة والقواعد التي يعتمدها، وليستا صفتين ماديتين كامنتين في الرواية نفسها.

ما العلمي الحقيقي في نقد الحديث؟

بعد النقد ينبغي عدم إنكار العناصر القوية فيه.

هناك قواعد عامة يمكن لأي مؤرخ استعمالها:

استبعاد الاستحالة الزمنية.

مقارنة الروايات.

البحث عن المصادر المستقلة.

اختبار التناقضات.

دراسة تغير النص عبر الزمن.

قياس مقدار أخطاء الناقل مقارنة بغيره.

تمييز المصدر المبكر من المتأخر.

هذه أدوات عقلية وتجريبية حقيقية.

لكنها حين تدخل في النظام الحديثي تختلط بقواعد أخرى:

العدالة والمروءة،

مراتب الجرح والتعديل،

تعريف الصحيح والحسن،

القواعد المختلف فيها في الاتصال،

تقوية بعض الطرق ببعض،

واجتهاد الناقد في الشذوذ والعلة.

ولذلك فالأدق وصف المنظومة بأنها:

مزيج من مبادئ عقلانية عامة وقواعد اصطلاحية وأعراف اجتماعية وأحكام خبير.

هل يصح تسميته علمًا؟

إذا أريد بـ«العلم» المعنى التراثي، نعم: هو علم بمعنى حقل معرفي منظم.

أما إذا كان المقصود أن قواعده جميعًا قواعد علمية مبرهن عليها منطقيًا أو تجريبيًا، فالجواب لا.

فبعض قواعده علمي عقلاني، وبعضها اصطلاحي، وبعضها عرفي، وبعضها تقديري.

وعليه لا يمكن الاحتجاج بمجرد عبارة «علم الحديث» لإضفاء صفة العلمية الحديثة على جميع قواعده أو نتائجه.

الأدق في وصف القسم الذي يصنف الأخبار هو:

فن مصطلح الحديث.

وفي وصف التطبيق:

منهج نقد الرواية الحديثية.

أما التحقيق التاريخي المعاصر فينبغي أن يتجاوز الإسناد إلى مقارنة المتون والمصادر واللغة والسياق والمخطوطات والتاريخ، وأن يعامل الإسناد نفسه بوصفه دليلًا يحتاج إلى الفحص لا ضمانًا للحقيقة.

الخاتمة

المشكلة الأساسية في «علم الحديث» ليست أنه بلا قواعد؛ بل في نوع القواعد والقوة المعرفية التي يمكن أن تنتج عنها.

بعض قواعده عقلية أو تجريبية عامة، مثل استحالة السماع مع التباعد الزمني ومقارنة الروايات وكشف التناقض. لكن قطاعًا واسعًا من عملية التصحيح يقوم على أحكام تاريخية غير يقينية، وشهادات في الرواة، ومعايير أخلاقية وعرفية، ومراتب اصطلاحية، وترجيحات خبرائية تختلف من ناقد إلى آخر.

ولهذا فإن قول المحدث: «حديث صحيح» لا يمكن منطقيًا تحويله دون دليل مستقل إلى قول: «ثبت يقينًا أن النبي قاله».

فإذا كانت أدوات إثبات الاتصال ظنية، وتوثيق الرواة اجتهاديًا، والضبط نسبيًا، والاستقلال بين الطرق غير مضمون، وانتفاء العلة مقيدًا بما وصل إلينا من مادة، فإن النتيجة الناتجة من هذه الأدوات لا بد أن تبقى ظنية بدرجات متفاوتة.

وهذا ليس انتقاصًا من قيمة نقد الحديث التاريخية، وإنما وضع لنتائجه في مرتبتها المعرفية الصحيحة:

ترجيح تاريخي مبني على أدوات بعضها عقلائي وبعضها اصطلاحي وخبرائي، لا برهانًا قطعيًا على صدور المتن عن النبي.

ومن هنا تبدو تسمية «فن مصطلح الحديث» أكثر دقة حين يكون الكلام عن شبكة التصنيفات والقواعد، بينما يبقى «علم الحديث» اسمًا تراثيًا مشروعًا ما دمنا لا نحمله دلالة «العلم البرهاني» بالمعنى المنطقي والتجريبي الحديث.