النفس والدماغ والوراثة
النفس والدماغ والوراثة: نحو فهم تكاملي للسلوك الإنساني
ينطلق هذا التصور من التمييز بين النفس بوصفها الذات الواعية العاقلة الحرة، وبين الدماغ بوصفه جهازًا عضويًا بالغ التعقيد تحلّ فيه النفس وتمارس من خلاله وظائفها في الحياة الجسمية. ولا يُطرح وجود النفس هنا باعتباره مجرد افتراض ذهني، بل بوصفه استدلالًا من الأثر إلى المؤثر؛ فالإنسان لا يدرك الأشياء فحسب، وإنما يُدرك أنه يُدرك، ويراجع أفكاره ودوافعه ويحكم عليها ويختار بين البدائل، ومن ثم يُستدل على وجود ذات حاملة للوعي والإرادة والهوية والمسؤولية.
ولا يعني حلول النفس في الدماغ أنها جزء مادي منه أو مجرد نشاط عصبي. ويمكن تقريب العلاقة ـ دون مساواة بين المثال والحقيقة ـ بعلاقة النظام التشغيلي بالحاسوب أو الكهرباء بالجهاز: وجود الأثر متوقف على جهاز مناسب، لكن الجهاز ليس هو الفاعل الواعي. فالدماغ يشتمل على وظائف عصبية موزعة ومتخصصة، وتستخدم النفس هذه البنية في الإدراك والانتباه واللسان والذاكرة والتنفيذ؛ ولذلك فإن إصابة جزء من الدماغ قد تعطل الوظيفة التي تمارس النفس نشاطها من خلاله، من غير أن يستلزم ذلك أن الخلايا العصبية نفسها هي الذات التي تعقل وتريد. وهذا يتوافق مع التمييز في النص بين المعالجة الوظيفية للمعلومات وبين الذات الواعية التي تفهم معنى أفعالها وتراجع دوافعها وتتحمل مسؤوليتها.
ومن هنا يمكن فهم الوراثة النفسية والسلوكية بصورة أكثر دقة. فالطفل لا يرث من أبيه سلوكًا واعيًا جاهزًا، ولا يرث إرادة ضعيفة أو نفسًا مكتئبة، وإنما قد يرث استعدادات بيولوجية عصبية تجعل بعض الوظائف أكثر قابلية للاضطراب، كما في الاستعداد لفرط الحركة وتشتت الانتباه أو بعض اضطرابات المزاج. فالوراثة تؤثر في البنية التي تعمل النفس من خلالها، لا في الحرية الواعية ذاتها.
وفي الوقت نفسه لا تعمل الجينات بصورة حتمية؛ فالبيئة والتربية والتعليم والنوم والعادات والخبرات تؤثر في الطريقة التي تظهر بها الاستعدادات الوراثية. ولهذا قد يحمل طفل قابلية معينة ولا تظهر لديه بصورة مرضية، بينما تشتد لدى طفل آخر نتيجة اختلاف الظروف. ومن ثم فعبارة «الإنسان ابن بيئته وتربيته» صحيحة من جهة التأثير، لكنها غير كافية وحدها؛ فالإنسان نتاج تفاعل الاستعداد البيولوجي مع البيئة، إضافة إلى نشاطه الواعي في مراجعة ذاته وتعديل سلوكه.
وتظهر هنا أهمية النفس بوصفها عنصرًا فاعلًا لا مجرد متلقٍّ سلبي. فالإنسان يستطيع بالتربية والتعليم والتدريب وتكوين العادات أن يضبط كثيرًا من الاندفاعات، وينظم انتباهه، ويعيد تشكيل أنماط سلوكه ويحدّ من أثر بعض الاستعدادات السلبية. وهذا لا يعني أن كل قابلية وراثية يمكن إلغاؤها بصورة مطلقة، فقد تبقى الحاجة إلى دعم نفسي أو طبي في بعض الحالات، ولكنه يعني أن الوراثة تهيئ ولا تحكم حتميًا، والبيئة تؤثر ولا تستعبد، والنفس الواعية تستطيع أن توجه السلوك وتعيد تشكيله ضمن الإمكانات التي يتيحها الدماغ والجسم.
وبذلك يمكن النظر إلى الإنسان من خلال ثلاثة مستويات متكاملة: النفس باعتبارها الذات الواعية الفاعلة، والدماغ باعتباره الجهاز العصبي الذي تمارس من خلاله وظائفها، والبيئة والتربية باعتبارهما المجال الذي تتشكل فيه الخبرة والسلوك. وهذا النموذج يسمح بتفسير التأثير البيولوجي للوراثة من دون اختزال الإنسان في جيناته أو دماغه، كما يحفظ في الوقت نفسه الدور الحقيقي للتربية والتعليم والإرادة في بناء الشخصية الإنسانية.
samer Islamboli2026-09-09T15:17:57+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
اضف تعليقا