ما ضابط فهم القرآن؟
ما ضابط فهم القرآن؟
رد منطقي ولساني على منشور رائد زنتوت
كتب رائد زنتوت منشورًا بعنوان: «سؤال واحد فقط: ما هو ضابطكم؟»، زعم فيه أن من يرفض الاحتجاج الملزم بفهم الصحابة والسلف لا يعتمد إلا على فهمه الشخصي للقرآن، ثم طالب بضابط مستقل يميز الفهم الصحيح من الخاطئ، ورفض مسبقًا أن يكون القرآن أو العقل أو اللسان ضابطًا، بحجة أن الناس يختلفون في فهم القرآن، وأن العقول تختلف، وأن الألفاظ تحتمل أكثر من معنى.
ويظهر المنشور في صورة سؤال منهجي، لكنه في حقيقته قائم على مقدمات مغلوطة، ومغالطات منطقية، وخلط بين المرجع وأدوات الفهم، وبين اختلاف الباحثين وبطلان المنهج، وبين الاستفادة من أقوال السابقين ومنحها سلطة دينية ملزمة.
الجواب المباشر: ما ضابطنا؟
ضابط فهم القرآن ليس «ما فهمته أنا»، ولا فهم شخص بعينه، قديمًا كان أو معاصرًا، وإنما منهج معرفي مركب وقابل للفحص المشترك، يقوم على:
القرآن بوصفه النص المرجعي الحاكم، واللسان العربي بوصفه أداة فهم الخطاب، والسياق بوصفه محددًا لوجه استعمال اللفظ، والمنطق بوصفه مانعًا للتناقض والدور والمصادرة، والواقع بوصفه مجال تحقق الدلالة، وترتيل النصوص بوصفه جمعًا للآيات المتصلة بالموضوع داخل منظومة واحدة، مع التفريق بين النص القطعي وفهم الباحث البشري القابل للمراجعة.
فلا نزعم أن فهمنا هو القرآن، ولا أن رأينا معصوم، وإنما نقدم مقدماتنا وطريقة استدلالنا ونتيجتنا لتكون قابلة للفحص والنقد. وكل تفسير عجز عن الانسجام مع مجموع النصوص، أو ناقض السياق، أو خالف قواعد اللسان والمنطق، أو احتاج إلى رواية خارجية لتغيير دلالة النص، فهو تفسير ضعيف أو باطل، مهما كان اسم صاحبه وزمنه ومكانته.
هذا هو الضابط باختصار. أما بقية المنشور فمحاولة لإسقاط هذه الأدوات واحدة بعد أخرى، حتى لا يبقى أمام القارئ إلا التسليم بسلطة السلف والمرويات.
المغالطة الأولى: اختزال المنهج في «الفهم الشخصي»
يفترض الكاتب أن الرافض لحجية فهم السلف لا يعتمد إلا على فهمه الشخصي، وهذه مغالطة رجل القش؛ لأنه استبدل موقف خصمه بصورة سهلة الهدم لم يقل بها الخصم.
هناك فرق بين أن يقول الإنسان: «هذا مراد الله لأنني فهمته هكذا»، وبين أن يقول: «هذه نتيجة بحثي بناء على بنية النص والسياق واللسان والمنطق، وهذه أدلتي، وهي قابلة للنقد والمراجعة».
الفهم يصدر بالضرورة عن إنسان؛ سواء كان هذا الإنسان صحابيًا أم تابعيًا أم فقيهًا أم باحثًا معاصرًا. ولا يوجد فهم بلا فاهم. ولذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل الفهم شخصي؟ بل: هل هو فهم اعتباطي أم فهم منضبط بأدلة وقواعد قابلة للفحص؟
وفهم السلف نفسه فهم بشري صدر عن أشخاص، وليس هو النص القرآني. فإذا كان صدور الفهم عن إنسان يجعله شخصيًا وغير معتبر، لزم إسقاط فهم السلف أيضًا. وإذا كان المعتبر هو الدليل، صار المعيار قوة الحجة لا قدم صاحبها.
المغالطة الثانية: «القرآن محل النزاع فلا يصلح ضابطًا»
يقول الكاتب: لا تقولوا إن القرآن هو الضابط؛ لأن القرآن محل النزاع، وكل شخص يزعم أن فهمه هو مراد القرآن.
وهذا كلام غير منطقي؛ لأن كون النص محل اختلاف في الفهم لا يسقطه بوصفه مرجعًا. فعندما يختلف القضاة في تفسير مادة دستورية، لا يعني ذلك أن الدستور لم يعد مرجعًا، بل يعني أن عليهم ضبط تفسيرهم باللغة والسياق والمبادئ العامة وبقية مواد الدستور.
وعندما يختلف علماء الطبيعة في تفسير ظاهرة، لا تصبح الطبيعة غير صالحة للاحتكام، بل تُراجع الملاحظات والأدلة والمناهج.
القرآن ليس «محل النزاع» بمعنى الشك في وجود نصه، وإنما النزاع في فهم بعض دلالاته. والنص نفسه هو المادة المشتركة التي تُختبر عليها الفهوم. فإذا ألغينا مرجعية القرآن بسبب اختلاف الناس فيه، فبأي شيء سنختبر الروايات وأقوال السلف والمذاهب؟
والأخطر أن الكاتب يطلب «ضابطًا مستقلًا» عن القرآن للحكم على فهم القرآن. فإن كان هذا الضابط قادرًا على تقرير مراد الله استقلالًا عن كتابه، فقد جعله مصدرًا فوق القرآن أو موازيًا له. أما المنهج الصحيح فلا يبحث عن سلطة خارج النص تحكم عليه، بل يستخدم أدوات موضوعية لفهمه من داخله وفي علاقته باللسان والمنطق والواقع.
المغالطة الثالثة: اختلاف العقول يبطل العقل
يقول الكاتب: لا تجعلوا العقل ضابطًا؛ لأن العقول تختلف.
وهذا استدلال فاسد؛ لأن اختلاف الناس في استعمال الأداة لا يبطل الأداة. فالرياضيون قد يخطئون في الحساب، ولا يعني ذلك بطلان الرياضيات. والقضاة يختلفون في الأحكام، ولا يعني ذلك إلغاء الاستدلال. والأطباء يختلفون في التشخيص، ولا يعني ذلك الاستغناء عن الطب.
العقل ليس مجموعة الآراء المختلفة، بل هو الوظائف التي يتم بها الربط والاستدلال والمقارنة وكشف التناقض. ومن أهم ضوابطه: امتناع اجتماع النقيضين، ولزوم النتيجة عن مقدماتها، ومنع الدور، وعدم المصادرة على المطلوب، والتمييز بين الإمكان والإثبات، ووضع عبء الدليل على صاحب الدعوى.
والكاتب نفسه يستخدم العقل ليقول إن العقل غير صالح للضبط. فإذا كان العقل ساقط الحجية بسبب اختلاف العقول، سقط استدلاله هو أيضًا؛ لأنه ليس إلا نتيجة عقلية توصل إليها بعقله.
إذن لا يمكن رفض العقل دون استخدام العقل، وهذا تناقض ذاتي يهدم الدعوى من أصلها.
المغالطة الرابعة: تعدد المعاني يبطل اللسان
يقول الكاتب: لا تجعلوا اللغة ضابطًا؛ لأنها تحتمل أكثر من معنى.
صحيح أن بعض الألفاظ قد تظهر في استعمالات متعددة، لكن ذلك لا يعني أن الدلالة سائبة. فاللسان يملك مستويات تضبط المعنى: بنية الكلمة، وجذرها، وصيغتها الصرفية، وموقعها النحوي، والمتعلقات، والفاعل، والمفعول، وحافتا السياق، والموضوع العام، واستعمال اللفظ في بقية النص.
والمنهج اللساني لا يختار معنى من المعجم ثم يلصقه بالآية، بل يبدأ بالمفهوم الجذري الثابت، ثم يدرس صورة ظهوره بحسب السياق. فاختلاف المبنى يدل على اختلاف في المعنى، ولا يوجد تطابق تام بين لفظين مختلفين، كما لا يجوز اقتطاع كلمة من منظومتها ثم بناء حكم عليها.
إن وجود أكثر من احتمال أولي هو السبب الذي يجعلنا نحتاج إلى اللسان والسياق، لا السبب الذي يدعونا إلى إلغائهما. فالاحتمالات لا تبقى متساوية بعد الفحص؛ منها ما يؤيده التركيب والسياق والمنظومة، ومنها ما يسقط لعدم الاتساق.
أما جعل فهم السلف هو الذي يختار بين الاحتمالات، فيحتاج بدوره إلى سؤال: أي سلف؟ وأي رواية عنهم؟ وكيف ثبتت؟ ولماذا يكون اختيارهم حاكمًا على بنية النص؟
الضابط ليس أداة واحدة
يكشف المنشور عن تصور سطحي للمنهج، كأنه يبحث عن كلمة واحدة تصلح مفتاحًا لكل تفسير: القرآن وحده، أو العقل وحده، أو اللغة وحدها.
لكن المعرفة لا تعمل بهذه الطريقة. فالضابط منظومة مترابطة، لا أداة منفردة. القرآن هو المرجع، واللسان يكشف الدلالة، والسياق يحدد وجه الاستعمال، والمنطق يختبر صحة الاستدلال، والواقع يكشف إمكان تحقق المعنى، وترتيل النصوص يمنع اقتطاع الآية من منظومتها.
ولا يجوز مطالبتنا باختيار واحد منها وإلغاء البقية، كما لا يجوز للطبيب أن يختار بين المختبر والفحص السريري والتاريخ المرضي وكأن أحدها يغني مطلقًا عن الآخر.
المنهج التنازلي: من المنظومة إلى اللفظ
من أهم ضوابط الفهم ألا يبدأ الباحث بكلمة منفردة، ثم يبني منها عقيدة أو حكمًا. بل يبدأ من القرآن بوصفه منظومة، ثم يحدد المنظومة الموضوعية التي تنتمي إليها المسألة، ثم السياق، ثم الآية، ثم تركيب الجملة، ثم اللفظ.
فلا تُفهم آية الطاعة بعيدًا عن وظيفة الرسول والرسالة، ولا آية الفيء بعيدًا عن توزيع الأموال، ولا آية الاستنباط بعيدًا عن سياق إذاعة أخبار الأمن والخوف.
والتفسير الذي يقتطع جملة، ثم يحملها على اصطلاح مذهبي نشأ بعد نزول القرآن، ليس تدبرًا منضبطًا، بل إسقاط للموروث على النص.
ترتيل النصوص ومنع الانتقائية
الضابط الآخر هو جمع جميع النصوص ذات الصلة بالموضوع، وعدم بناء الرأي على آية واحدة مع إهمال غيرها. وهذا هو الترتيل المعرفي للنصوص: وضع كل آية في موقعها داخل الموضوع، ثم استخراج الدلالة الكلية التي لا يصادم بعضها بعضًا.
فمن أراد دراسة مصدر الدين، يجمع آيات الاتباع والإنزال والحكم والتفصيل والتبيان والبلاغ. ومن أراد دراسة طاعة الرسول، يجمع آيات الرسالة والبلاغ واتباع الوحي والحكم بالكتاب. ومن أراد دراسة التشريع، يجمع نصوص الحلال والحرام وسلطة الله في الحكم.
أما أن يأخذ جملة مثل ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ثم يقفز منها إلى وجوب طاعة كتاب روائي دُوّن بعد الرسول، فهذه قفزة لا ينتجها النص.
التمييز بين النص والفهم
منهجنا يميز بين ثلاث مراتب:
النص القرآني ثابت ومرجعي، ودلالة النص تُبحث بأدوات منضبطة، والنتيجة التي يصل إليها الباحث فهم بشري قابل للنقد.
أما المنهج المذهبي فيخلط غالبًا بين هذه المراتب؛ فيقدم فهم الصحابي أو الفقيه أو المحدث بوصفه ممثلًا لمراد الله، ثم يجعل نقد ذلك الفهم تشكيكًا في الدين.
والسؤال الذي يجب أن يوجه إلى الكاتب هو: ما معيارك في إثبات أن فهم السلف هو مراد القرآن؟ فإن قال: لقربهم من زمن التنزيل، قيل له: القرب الزمني لا يصنع العصمة، وقد يقترب الإنسان من الحدث ولا يحيط به. وإن قال: لأنهم أهل اللسان، قيل له: كانوا يختلفون في الفهم وهم أهل اللسان. وإن قال: لأن الروايات أثبتت فهمهم، انتقل السؤال إلى صحة الروايات ودلالاتها.
فلا يمكن التخلص من مشكلة الفهم بوضع شخص قديم مكان شخص معاصر؛ لأن القديم أيضًا إنسان يفهم ويخطئ ويصيب.
أي فهم للسلف هو الضابط؟
يتحدث المنشور عن «فهم الصحابة والسلف» كأنه رأي واحد متفق عليه، مع أن الموروث نفسه ينقل اختلافاتهم في التفسير والفقه والعقيدة والسياسة.
فإذا اختلف صحابيان أو تابعيان، أي فهم منهما يصبح الضابط؟ وإذا رجح الفقيه أحدهما، فما معيار ترجيحه؟ سيعود حتمًا إلى السند أو اللغة أو السياق أو القياس أو العقل. أي سيعود إلى أدوات بشرية كان الكاتب قد حاول إسقاطها.
وإذا كان العلماء قد اختلفوا في تصحيح الرواية، وفي تفسيرها، وفي الجمع بينها، وفي دلالة الآية، فلا يمكن جعل «فهم السلف» عبارة سحرية تنهي الخلاف. إنها تنقل الخلاف من فهم القرآن إلى فهم الروايات المنسوبة إلى السلف.
الاختلاف لا يعني غياب المنهج
استدل الكاتب باختلاف الباحثين في الصلاة والزكاة والحج على عدم كفاية العقل والقرآن واللغة. وهذا لا يلزم منطقيًا؛ لأن وجود الاختلاف قد يرجع إلى تفاوت الالتزام بالمنهج، أو اختلاف المعلومات، أو تأثير الموروث، أو الخلط بين المفهوم والتطبيق.
ثم إن أهل المذاهب الذين يعتمدون الروايات والسلف وأصول الفقه مختلفون كذلك في الصلاة والزكاة والحج والطلاق والمواريث والمعاملات. فهل يثبت اختلافهم بطلان الروايات وأصول الفقه؟
إذا كان الاختلاف دليلًا على فساد المنهج، فقد أدان الكاتب منهجه قبل أن يدين غيره. وإذا كان الاختلاف طبيعيًا ولا يبطل المنهج، سقط احتجاجه باختلاف الباحثين في القرآن.
المعيار ليس وجود الاختلاف أو عدمه، بل قدرة المنهج على عرض مقدماته وفحصها وتصحيح أخطائه وتقليل التناقض.
طلب ضابط «مستقل» يؤدي إلى تسلسل لا ينتهي
يطالب الكاتب بضابط مستقل نميز به الفهم الصحيح من الخاطئ. لكن كل ضابط يحتاج إلى فهم وتطبيق. فإذا قال إن الضابط هو فهم السلف، سألناه: ما ضابط فهمنا لكلام السلف؟ وإذا قال علم الحديث، سألناه: ما ضابط صحة قواعد علم الحديث؟ وإذا قال الإجماع، سألناه: كيف ثبت الإجماع وما ضابط فهم عباراته؟
فإما أن يقبل بأن المعرفة تقوم على منظومة أدلة وأدوات قابلة للمراجعة، وهو منهجنا، وإما أن يستمر في طلب ضابط لضابط إلى غير نهاية، أو يتوقف عند سلطة بشرية يطلب التسليم بها بلا برهان.
هذا يسمى مشكلة التسلسل المعرفي، ولا تُحل بتقديس حلقة تاريخية معينة.
مستويات اليقين جزء من الضابط
منهجنا لا يسوي بين القرآن والروايات والآراء. فالقرآن نص ثابت، أما الرواية فخبر تاريخي ظني، وتفسير الآية اجتهاد بشري، والفتوى معالجة لواقع متغير.
ووضع كل مادة في مرتبتها المعرفية يمنع تحويل الظن إلى يقين، والرأي إلى دين، والتاريخ إلى وحي.
أما من يجعل الرواية الظنية حاكمة على القرآن، ثم يجعل فهم الفقيه للرواية حكمًا شرعيًا، فقد جمع ظنًا فوق ظن، ثم طالب الناس باليقين والطاعة.
عبء الإثبات على صاحب دعوى الإلزام
نحن لا نحتاج إلى إثبات أن البشر قد يخطئون في الرواية والفهم؛ فهذا أمر ثابت بطبيعتهم وباختلافاتهم. لكن من يدعي أن فهم شخص أو جماعة حجة دينية ملزمة، فعليه أن يقدم نصًا قرآنيًا يثبت عصمتهم أو وجوب اتباع فهمهم.
ومن يدعي أن الروايات مصدر للدين، فعليه أن يثبت أن الله أنزلها، وحفظها، وأمر الناس باتباع المصنفات التي جُمعت فيها.
لا يجوز قلب عبء الإثبات، ثم مطالبة الناقد بأن يثبت بطلان كل رواية، بينما يعفى المدعي من إثبات أصل حجيتها.
أسلوب السخرية لا يعوض غياب البرهان
بدأ الكاتب بوصف مخالفيه بالملاحدة وأصحاب اللوثة العقلية، وقرر أن قدراتهم لا تسمح بفهم أكثر من عدة أسطر، ثم ختم بصورة قطيع للاستفزاز.
هذا الأسلوب يسمى في المنطق «تسميم البئر»، أي تشويه المخالف قبل عرض حجته، حتى يرفض القارئ كلامه نفسيًا قبل فحصه. كما يتضمن شخصنة وسخرية لا علاقة لها بصحة القضية.
من يمتلك منهجًا قويًا لا يحتاج إلى وصف خصمه بالقطيع، ولا إلى الادعاء بأن كل إجابة لا تعجبه هروب من السؤال. بل يعرض تعريفاته ومقدماته وأدلته، ويقبل أن تُفحص بالمعيار نفسه الذي يطالب به الآخرين.
ضوابط الفهم القرآني بصورة جامعة
يمكن تلخيص الضابط الذي يطالب به الكاتب في المنظومة الآتية:
أن يكون القرآن المرجع الوحيد في إثبات الدين، وأن تُجمع النصوص المتصلة بالموضوع، وأن يبدأ الفهم من المنظومة إلى السياق ثم الآية فاللفظ، وأن تُضبط المفاهيم من البنية اللسانية والجذر والصيغة، وأن يُراعى اختلاف المبنى والسياق والمتعلقات، وأن يُمنع التناقض والدور والمصادرة والقفز بين المقدمات والنتائج، وأن تُعرض الدلالة على الواقع الذي تتعلق به، وأن يُميز بين النص القطعي والتفسير البشري، وأن تبقى النتيجة قابلة للنقد والتصحيح.
هذا منهج معلن يستطيع أي إنسان فحصه، وليس مطالبة بتصديق فهم شخص بسبب اسمه أو عصره.
النتيجة
السؤال «ما ضابطكم؟» سؤال مشروع، لكن الكاتب أفسده حين رفض مسبقًا القرآن والعقل واللسان، ثم افترض أن البديل الوحيد للفهم الشخصي هو فهم السلف.
الضابط ليس شخصًا ولا طبقة تاريخية، بل منهج قابل للفحص: القرآن، واللسان، والسياق، والترتيل، والمنطق، والواقع، مع الفصل بين الوحي والفهم البشري.
والقرآن لا يفقد مرجعيته بسبب اختلاف الناس في فهمه، كما لا يبطل العقل بسبب اختلاف العقول، ولا يبطل اللسان بسبب تعدد الاستعمالات. بل إن الاختلاف هو الذي يوجب استخدام هذه الأدوات بصرامة أكبر.
أما فهم السلف فهو مادة تاريخية يمكن دراستها والاستفادة منها، لكنه لا يملك عصمة ولا حجية ذاتية. ويُقبل منه ما قام عليه الدليل، ويُرد منه ما ناقض القرآن أو اللسان أو المنطق، شأنه في ذلك شأن كل فهم بشري.
وعليه يكون جواب سؤال الكاتب واضحًا:
ضابطنا ليس «ما فهمته أنا»، ولا «ما فهمه السلف»، بل ما يثبت من النص القرآني بمنهج لساني ومنطقي ومنظومي قابل للفحص والتصحيح.
أما من يريد إلزام الناس بفهم السلف أو الروايات، فعليه أولًا أن يقدم ضابطًا يثبت عصمة ذلك الفهم، ووحدة أصحابه، وصحة نقله، ووجوب اتباعه من القرآن نفسه. وإلى أن يفعل، يبقى قوله دعوى سلطة لا حجة علمية.
samer Islamboli2026-08-07T20:47:00+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
اضف تعليقا