السُّنّة في القرآن ليست الروايات

 ردٌّ قرآني ومنطقي ولساني على مقال الدكتور عماد «محمد فؤاد» الصمادي

رابط المقال   https://n9.cl/flaupu

    كتب الدكتور عماد «محمد فؤاد» الصمادي، أستاذ الحديث النبوي وعلومه، مقالًا بعنوان: «دعاوى القرآنيين بإسقاط السنة: الخلفيات، المآلات، والردود العلمية عليها»، وقرر في مقدمته أن ما سماه «السنة النبوية» هو الركن الثاني من أركان التشريع بعد القرآن، وأن الروايات تتولى بيان الأحكام وتفصيل ما أجمله الكتاب. ثم وصف الاعتراض على هذه الفكرة بأنه دعوى شاذة تهدد الدين ووحدة المرجعية الإسلامية.

غير أن المقال لم يبدأ بتحرير معنى كلمة «السُّنّة» في اللسان العربي واستعمال القرآن، ولم يثبت أن الله جعل للدين مصدرين، ولم يفرق بين الرسول الذي حمل الرسالة وبين الأخبار التي نسبها الرواة إليه بعد وفاته. ولذلك قام المقال كله على خلط اصطلاحي بين السُّنّة والرواية، ثم استخدم هذا الخلط لإضفاء صفة الوحي والتشريع على أخبار بشرية ظنية.

   مفهوم السُّنّة في اللسان القرآني

   السُّنّة هي الطريقة الجارية والنهج الثابت الذي يتكرر ظهوره في الواقع عند تحقق شروطه. فهي ليست قولًا منقولًا عن شخص، ولا خبرًا تاريخيًا يُروى بإسناد، وإنما قانون حاكم أو مسار ثابت تظهر نتائجه باستمرار.

وقد استعمل القرآن كلمة السُّنّة بهذا المفهوم، وأضافها إلى الله، لأنها تدل على نهجه وقانونه الجاري في الخلق والتاريخ، فقال:

﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62).

وقال:

﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43).

كما استعمل صيغة الجمع في الحديث عن المسارات التاريخية للأقوام السابقين، فقال:

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137).

وقال:

﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الحجر: 13).

فالسُّنّة في القرآن إما سنة الله الجارية في الوجود والتاريخ، وإما سنن الأقوام السابقين التي يمكن دراستها من خلال حركة التاريخ وعواقب الأعمال. ولم يرد في القرآن كله تركيب «سنة النبي» أو «سنة الرسول»، ولم يصف القرآن أقوال الرسول أو أفعاله الشخصية بأنها «السُّنّة النبوية».

وهذا الغياب ليس أمرًا هامشيًا؛ لأن القرآن استخدم الكلمة مرات متعددة، وحدد مجالها الدلالي بوضوح. ومن ثم فإن إطلاق عبارة «السُّنّة النبوية» على مجموع الروايات اصطلاح حادث، لا أصل له في الاستعمال القرآني، ولا يجوز جعله حاكمًا على مفهوم الكلمة في اللسان العربي.

الروايات ليست سُنّة

الرواية خبر ينقله راوٍ عن راوٍ، وقد يصح وقد يخطئ، وقد يروى باللفظ أو بالمعنى، وقد يدخل عليه النسيان والوهم والزيادة والنقصان. أما السُّنّة فهي طريقة ثابتة متكررة يمكن التحقق من آثارها في الواقع.

فالفرق بينهما فرق في طبيعة الشيء نفسه، وليس مجرد فرق في التسمية. السُّنّة نهج وقانون، والرواية خبر عن واقعة ماضية. ولا تتحول الرواية إلى سُنّة بمجرد أن يطلق عليها المحدثون هذا الاسم.

وقد أدى الاصطلاح الشائع إلى خلط عجيب؛ فعندما يقال: «منكر السُّنّة»، يتبادر إلى ذهن المتلقي أن الشخص ينكر نهج الرسول أو يعارض طاعته، بينما المقصود في الحقيقة أنه يناقش حجية الروايات المدونة ونسبتها إلى الرسول. فيُستعمل مفهوم قرآني يدل على النهج الثابت لتمرير أخبار تاريخية ظنية، ثم يُتهم من ينقد تلك الأخبار بأنه أسقط السُّنّة.

وهذا خلط اصطلاحي يرقى إلى التدليس المعرفي، سواء وقع عن قصد أم بسبب تقليد اصطلاح لم يخضع للتحليل؛ لأن الناقد لا ينكر «سنة الله»، ولا ينكر النهج الأخلاقي والعملي للرسول، وإنما يرفض مساواة الروايات البشرية بالوحي.

مصدر الدين واحد لا مصدران

ليس في الدين «مصادر» بالجمع، وإنما له مصدر واحد هو الوحي القرآني. أما اللسان والعقل والمنطق والواقع والتاريخ فهي أدوات لفهم المصدر، وليست مصادر تنشئ الدين أو تضيف إليه أحكامًا ملزمة.

المصدر هو الذي تنشأ منه العقيدة والشريعة والحكم الملزم، وقد حدد القرآن هذا المصدر بقوله:

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 3).

وقال:

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام: 155).

وقال:

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: 114).

فالقرآن لم يقل: اتبعوا الكتاب والسُّنّة، ولم يقل إن للدين مصدرًا أول ومصدرًا ثانيًا، ولم يمنح جماعة من المصنفين حق إنشاء مرجع تشريعي موازٍ للكتاب. وإنما أمر باتباع ما أنزل الله، ووصف الكتاب بأنه الحكم المنزل المفصل.

أما الروايات فيمكن دراستها بوصفها مادة تاريخية تعكس أفهامًا وممارسات وصراعات وثقافات، ويُقبل منها ما ثبت ووافق القرآن والمنطق والواقع، لكن ذلك لا يجعلها مصدرًا للدين ولا يمنحها سلطة إنشاء الحلال والحرام.

اتهام القرآن بأنه غير مفصل

يزعم المقال أن الروايات جاءت لتفصيل ما أجمله القرآن، وأن القرآن لا يمكن فهمه أو تطبيقه دونها. وهذه الدعوى تتضمن اتهامًا مباشرًا للكتاب بأنه نزل ناقص البيان والتفصيل، ثم ترك الله إكماله لأخبار جُمعت بعد عصر الرسالة واختلف البشر في صحتها ودلالتها.

لكن القرآن قدم نفسه بوصفه كتابًا مفصلًا، فقال:

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: 114).

وقال:

﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: 3).

وقال:

﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111).

وقال:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89).

لا يعني «تفصيل كل شيء» أن القرآن كتاب في الطب والهندسة والصناعة، وإنما يعني أنه فصل كل ما يدخل في وظيفته بوصفه كتاب هداية ودين وتشريع. فلو كان أصل من أصول الدين أو حكم ملزم غير موجود فيه، لما صح وصفه بالمفصل والتفصيل والتبيان.

والقول إن الروايات هي التي أكملت تفصيل الدين يجعل كلام البشر جزءًا متممًا لكلام الله، ويجعل الكتاب محتاجًا إلى مصدر خارجي حتى يؤدي وظيفته. وهذا يناقض وصف القرآن لنفسه.

طاعة الرسول ليست طاعة الرواة

استدل المقال بقوله تعالى:

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: 80).

وطاعة الرسول ثابتة في القرآن، لكن الآية لا تقول إن كل ما سينسبه الرواة إلى الرسول بعد وفاته واجب الطاعة. فالرسول اسم وظيفي مشتق من الرسالة، ويُطاع لأنه يحمل أمر الله ويبلغه، لا لأنه يؤسس من عنده دينًا موازيًا للكتاب.

قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (الأعراف: 203).

وقال:

﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: 54).

فالرسول نفسه مأمور باتباع الوحي، ووظيفته تبليغ الرسالة وبيانها في الواقع. وطاعته هي طاعة الرسالة التي يحملها، ولذلك كانت طاعته من طاعة الله.

أما الرواية فهي نسبة تاريخية تحتاج إلى إثبات. ولا يجوز الانتقال من قول الله: «أطيعوا الرسول» إلى قول المحدث: «أطيعوا كل خبر حكمنا بصحته»، لأن المحدث ليس رسولًا، وكتابه ليس وحيًا، وحكمه على الراوي اجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ.

سياق قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

استشهد المقال بقوله تعالى:

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7).

لكن الآية جزء من نص يتحدث عن توزيع الفيء:

﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (الحشر: 7).

فما أعطاهم الرسول من الفيء يأخذونه، وما منعهم منه ينتهون عنه. ويمكن استنباط وجوب طاعة الرسول في إدارة شؤون الجماعة، لكن لا يمكن تحويل الآية إلى تفويض لمصنفات روائية لم تكن موجودة عند نزولها.

النص يقول: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾، ولا يقول: «ما رواه عن الرسول رجال بعد أجيال فخذوه». والفرق بين العبارتين هو الفرق بين حضور الرسول وقراره المعلوم، وبين خبر ظني يدعي نقل ذلك القرار.

معنى البيان في القرآن

استدل المقال بقوله تعالى:

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44).

والبيان هو إظهار الشيء وإبرازه وفصله حتى يصير بينًا. فالرسول يبين للناس ما نُزل إليهم بالتلاوة والبلاغ والتعليم والتطبيق والحكم به. وموضوع البيان في الآية هو المنزل نفسه، وليس كتابًا تشريعيًا آخر.

{وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }آل عمران187

وقد وصف القرآن نفسه بأنه بيان:

﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 138).

فالرسول يبين الكتاب المبين، ولا يأتي بمصدر آخر يكمل نقصه. والقول إن البيان المقصود هو آلاف الروايات التي سيختلف الناس لاحقًا في تصحيحها وتأويلها دعوى لا توجد في الآية.

نقل القرآن لا يماثل نقل الروايات

احتج المقال بأن الذين نقلوا القرآن هم أنفسهم الذين نقلوا الروايات، وكأن الطعن في الروايات يؤدي بالضرورة إلى الطعن في القرآن. وهذه مغالطة؛ لأن وحدة بعض الناقلين لا تعني وحدة طريقة النقل.

القرآن كان خطابًا عامًا معلنًا، يُتلى في الجماعة، ويُكتب، ويُحفظ، وتقام به الصلاة، ويعرف الناس سوره وآياته ونظامه. أما الرواية فقد ينفرد بها شخص عن شخص، وتتعلق بحادثة لم يشهدها جمهور الناس، ثم تنتقل عبر سلسلة طويلة قبل تدوينها.

وصل القرآن كتابًا واحدًا معلوم البنية، بينما وصلت الروايات في مصنفات متعددة، واختلف العلماء في قبولها وردها وفهمها والجمع بينها. ولو كان طريق نقلها كطريق القرآن لما ظهر هذا التفاوت الجذري بينهما.

الصلاة والحج لا يثبتان مصدرية الروايات

يستعمل المقال الصلاة والحج لإثبات أن الروايات مصدر تشريعي ثانٍ، ويسأل كيف يعرف الناس عدد الركعات والمناسك دون كتب الحديث.

لكن الصلاة والحج ممارستان اجتماعيتان سابقتان لتدوين كتب الحديث، وقد انتقل تطبيقهما عمليًا بين الناس. والتوارث العملي ليس رواية قولية، ولا يثبت أن كل خبر ورد في كتب الحديث صار مصدرًا للدين.

كما أن القرآن ذكر أركان الصلاة من الطهارة والقبلة والقيام والقراءة والركوع والسجود والذكر، وذكر أصول الحج من البيت والطواف والصفا والمروة وعرفات والمشعر الحرام والهدي والحلق واجتناب الرفث والفسوق والجدال.

وما يتعلق بتنظيم الأداء يمكن أن يكون تطبيقًا اجتماعيًا متوارثًا، لكنه لا يتحول إلى مصدر تشريعي مستقل عن القرآن. فهناك فرق بين المصدر الذي ينشئ الدين، وبين التطبيق الذي ينزل أحكامه في الواقع.

علم الحديث جهد بشري لا عصمة له

قدم المقال علم الحديث بوصفه منهجًا بالغ الدقة يندر فيه الخطأ، وجعل قواعد الرجال والجرح والتعديل طريقًا لإثبات صحة نسبة الروايات.

لكن هذا العلم جهد بشري ظهر لمعالجة أخبار بشرية، وقد اختلف علماؤه في الرواة والأسانيد والمتون وشروط القبول. فما يصححه أحدهم قد يضعفه غيره، وما يحمله أحدهم على ظاهره قد يؤوله آخر.

وفحص سلسلة الناقلين لا يثبت وحده وقوع الخبر؛ لأن الراوي الثقة قد ينسى أو يخطئ أو ينقل بالمعنى أو يسيء فهم السياق. كما يمكن أن يكون السند منظمًا والمتن مخالفًا للقرآن أو الواقع أو المنطق.

ولذلك تبقى الروايات ظنية، مهما بلغ الاجتهاد في فحصها. والظن التاريخي لا ينشئ دينًا ولا يحل محل النص المحفوظ.

النتيجة

قام مقال الدكتور عماد الصمادي على ثلاثة أخطاء مركزية: تسمية الروايات «سُنّة»، وجعلها مصدرًا ثانيًا للدين، والقول إنها جاءت لتفصيل قرآن نزل مجملًا محتاجًا إليها.

لكن السُّنّة في القرآن هي نهج الله الثابت وسننه الجارية في التاريخ، ولم تُضف إلى النبي أو الرسول في أي نص. والروايات أخبار بشرية ظنية لا تتحول إلى سُنّة بمجرد اصطلاح المحدثين عليها.

والدين ليس له مصدران، بل مصدر واحد هو القرآن. أما العقل واللسان والمنطق والواقع والتاريخ فهي أدوات لفهمه وتنزيله، وليست مصادر تضيف إليه أحكامًا.

كما أن القرآن وصف نفسه بأنه مفصل، وآياته مفصلة، وأنه تفصيل لكل ما يدخل في وظيفته، وتبيان للناس. فالقول إن الروايات جاءت لتفصيله اتهام له بالنقص، ومناقضة لوصفه لنفسه.

وطاعة الرسول لا تعني طاعة الرواة، ونقد الرواية لا يعني رفض الرسول؛ بل يعني حماية مقامه من الأخبار التي لم يثبت صدورها عنه. فالرسول بلغ الوحي واتبع ما أوحي إليه، أما كتب الروايات فهي إنتاج بشري يُدرس ويُنقد، ولا يُرفع إلى مرتبة الوحي.

وبذلك لا يكون النزاع بين القرآن والرسول، وإنما بين القرآن والموروث الذي نُسب إلى الرسول. والمرجع الحاكم في هذا النزاع هو ما أمر الله باتباعه:

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الأعراف: 3).

ومع ذلك فهؤلاء يخفون الروايات التي تخالف قولهم وهي صحيحة عند علمائهم مثل:

1- ( الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكتَ عنه فهو مما عفا عنه) ابن ماجه 3358، الدار قطني والحاكم والبيهقي و البزار و الطبراني.

2- ( أطيعوني مادُمتُ فيكم، فإذا ذُهِبَ بي فعليكم بكتاب الله، أحلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه) مسند أحمد 6381، وصححه الألباني في الصحيحة تحت رقم 1472.

3- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً نَكْتُبُ مَا نَسْمَعُ مِنَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ « مَا هَذَا تَكْتُبُونَ ». فَقُلْنَا مَا نَسْمَعُ مِنْكَ . فَقَالَ « أكِتَابٌ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ ». فَقُلْنَا مَا نَسْمَعُ. فَقَالَ « اكْتُبُوا كِتَابَ اللَّهِ أَمْحِضُوا كِتَابَ اللَّهِ وَأَخْلِصُوهُ أَكِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِ اللَّهِ أَمْحِضُوا كِتَابَ اللَّهِ أَوْ خَلِّصُوهُ ». قَالَ فجَمَعْنَا ما كَتَبْنَا فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَحْرَقْنَاهُ بِالنَّارِ قُلْنَا أَىْ رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَحَدَّثُ عَنْكَ قَالَ « نَعَمْ تَحَدَّثُوا عَنِّى وَلاَ حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ». الإمام أحمد

4- قال: قال رسول الله: “إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتبعوه وتركوا التوراة”.

عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَن رَسُولِ الله يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا حَدَّثَ قَالَ إِذَا سَمِعْتُمُونِي أُحَدِّثُ عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ حَسَنًا عِنْدَ النَّاسِ فَاعْلَمُوا أَنِّي قَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهِ. سنن الدارمي: 593

5-  عن أبي سعيد الخدري ، أن النبي ، قال : « لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن من كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه » . « صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه

6- « لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن من كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه » . « صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه

– عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما قال:” ((من اقتراب – وفي رواية أشراط – الساعة: أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار ،ويفتح القول ويخزن العمل، ويقرأ بالقوم المَثناة ليس فيهم أحد ينكرها . قيل وما المَثناة ؟ قال : ما استكتب سوى كتاب الله عز وجل )) قال الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” 6 / 774 : و هو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، يرويه عنه عمرو ابن قيس الكندي ، رواه عنه جمع رفعه بعضهم و أوقفه بعضهم ، و هو في حكم المرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي، أخرجه الحاكم ( 4 / 554 ) و أورده الهيثمي في ” المجمع ” ( 7 / 326 ) مرفوعا عن عبد الله بن عمرو ، و قال : “رواه الطبراني و رجاله رجال الصحيح ” . قلت : لعله عند الطبراني من طريق أخرى غير طريق الكندي هذا ، و إلا فالهيثمي واهم في حشره إياه في جملة ( رجال الصحيح) ! ثانياًً : الأوزاعي عن عمرو بن قيس السكوني قال : خرجت مع أبي في الوفد إلى معاوية ، فسمعت رجلاً يحدث الناس يقول : ” إن من أشراط الساعة .. ” الحديث . قال: فحدثت بهذا الحديث قوماً و فيهم إسماعيل بن عبيد الله ، فقال : أنا معك في ذلك المجلس ، تدري من الرجل ؟ قلت : لا ، قال : عبد الله بن عمرو .

أيضاً ، و ابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” ( 13 / 593 – المدينة ) و قال الحاكم : “صحيح الإسناد ” . و وافقه الذهبي . ثالثاً : معاوية بن صالح قال : أخبرني عمرو بن قيس الكندي قال : سمعت عبد الله ابن عمرو بن العاص قال : فذكره موقوفاً بلفظ: ” كل كتاب سوى كتاب الله ” أخرجه ابن أبي شيبة في ” المصنف ” 15 / 165

قال الألباني:(فائدة ): هذا الحديث من أعلام نبوته فقد تحقق كل ما فيه من الأنباء، وبخاصة منهاما يتعلق ب ( المثناة ) وهي كل ما استكتب سوى كتاب الله …

ونهي أبو بكر الصديق عن رواية الحديث وأمر بالتمسك بكتاب الله.

روى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ قال: ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا:بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه.

–      قال عمر بن الخطاب: حسبنا كتاب الله. أخرجه مسلم

 الدين كمل بشهادة القرآن وهذا هو غاية تبليغه قال النووي: ” وأما كلام عمر  فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها فقال عمر: حسبنا كتاب الله، لقوله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وقوله: { اليوم أكملت لكم دينكم } فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة وأراد الترفيه على رسول الله فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه ” النووي على مسلم ص 1041 اهـ

الحديث دليل على كمال الدين وبلوغه لكل الناس لأنه أقر عمر على قوله ” حسبنا كتاب الله

-وقام عمر بن الخطاب بحرق مادة حديث النبي المكتوبة ونهي عن روايتها، قال زيد بن يحيى : حدثنا عبد الله بن العلاء قال : سألت القاسم أن يُملي عَلَّي أحاديث فمنعني ، وقال : إن الأحاديث كثُرت على عهد عمر ، فناشد الناس أن يأتوه بها ، فلما أتوه بها ، أمر بتحريقها ، ثم قال : مَثناة كمثناة . أهل الكتاب . الذهبي – سير أعلام النبلاء – الجزء : ( 5 ) – رقم الصفحة : ( 59 (

* عن أبي سلمة : سمعت أبا هريرة يقول : ما كنا نستطيع أن نقول : قال رسول الله (ص) حتى قُبِض عمر .

– قال ثم يقول أبو هريرة : أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي ؟ أما والله إذا لأيقنت أن المحففة ستباشر ظهري ، فإن عمر كان يقول ، اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله ، ولهذا لما بَعث أبا موسى إلى العراق قال له : إنك تأتي قوماً لهم في مساجدهم دوي بالقرآن كدوي النحل ، فدعهم على ما هم عليه ، ولا تشغلهم بالأحاديث ، وأنا شريكك في ذلك.

عن عبد الله بن العلاء قال سألت القاسم يملي علي أحاديث فقال إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مَثناة  كمثناة أهل الكتاب قال فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثاً . محمد ابن سعد – الطبقات الكبرى – الجزء : ( 5 ) – رقم الصفحة : ( 188 (

– ورد عن علي بن أبي طالب:

عن الحارث الأعور قال : مررت في المسجد وكان الناس يخوضون  في الأحاديث فدخلت على “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث ؟ قال : أوقد فعلوها ؟ قلت : نعم ، قال : أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنها ستكون فتنة » قال : قلت : فما المخرج ؟ قال : « كتاب الله فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل  وليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى  الهدى – أو قال العلم – من غيره أضله الله ، هو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ  به الأهواء  ، ولا تلتبس  به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يَخلق من كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه هو الذي ينته الجن إذ سمعته – حتى قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم »أخرجه الترمذي . جامع الأصول.

– وورد عن السيدة عائشة استنكارها حديث أبو هريرة أو ابن عمر( شر الثلاثة ابن الزنا) فقالتحسبكم القرآن (ولاتزر وازرة وزر أخرى).