مفهوم الزور والفرق بين قول الزور وشهادة الزور في القرآن

مدخل منهجي

لا يصح أن نساوي بين «الزور» و«الكذب» و«شهادة الزور»، كما لا يصح أن نستخرج رتبة الحكم الشرعي من مجرد وصف الفعل بأنه «إثم». فالمنهج يقتضي أولًا تحديد مفهوم الزور، ثم تحديد صورة ظهوره، وبعد ذلك البحث عن النصوص التي تبين حكم تلك الصورة: هل هي حرام، أم منهيًا عنها، أم ورد بشأنها توجيه بالاجتناب؟

وهذا يقتضي التفريق بين أربعة أمور: المفهوم، والوصف، والحكم، والتوجيه.

مفهوم الزور

يعطينا القرآن مفتاح مفهوم الجذر في قوله تعالى:

﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ (الكهف: 17).

فـ﴿تَزَاوَرُ﴾ تدل على الميل والانحراف عن الجهة.

وعند انتقال المفهوم من الحركة المادية إلى المجال المعرفي واللساني، يصير الزور إمالة الحقيقة عن وجهها الصحيح، وإظهار الشيء في صورة غير مطابقة لواقعه.

ولهذا قال عن اتهام القرآن بالافتراء:

﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (الفرقان: 4).

وقال عن الظهار:

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (المجادلة: 2).

فالزوجة ليست أمًّا، ولكن القول أعطاها وصفًا مخالفًا لحقيقة العلاقة. وهذا هو الزور: تحوير الحقيقة وإمالتها عن واقعها.

قول الزور

قال تعالى:

﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: 30).

قول الزور هو الصورة القولية من مفهوم الزور؛ أي استعمال الكلام في إمالة الحقيقة أو إعطاء الواقع وصفًا غير مطابق له.

وهو أوسع من شهادة الزور؛ فقد يقع قول الزور في اتهام شخص، أو نقل خبر، أو توصيف علاقة، أو صناعة رواية باطلة، من غير أن يكون صاحبه في مقام الشهادة.

أما ﴿فَاجْتَنِبُوا﴾ فهي توجيه وتعليم بالابتعاد عن قول الزور وعدم الدخول فيه، وليست كلمة «اجتنبوا» بذاتها صيغة مساوية لـ«حرّم».

فلا أقول: قول الزور حرام لمجرد ورود «اجتنبوا»، وإنما أبحث في منظومة النصوص عن الحكم المتعلق بكل صورة من صوره.

معنى ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾

قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان: 72).

يجب ملاحظة أن النص لم يقل: «لا يشهدون بالزور»، ولم يقل: «لا يؤدون شهادة زور»، وإنما قال:

﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾.

وفعل «شهد» أوسع من أداء الشهادة القضائية، فقد يأتي بمعنى الحضور والمعاينة، كما في:

﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185).

والسياق في الفرقان يعزز هذا المعنى؛ إذ أتبع قوله ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ بقوله:

﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.

فالآية تصف موقفًا عامًا من بيئة الزور واللغو: لا يشاركون فيها ولا يتلبسون بها.

ومن ثم لا ينبغي اختزال الآية في المصطلح الفقهي «شهادة الزور»، وإن كانت الشهادة الكاذبة تدخل في مفهوم الزور من جهة أخرى.

شهادة الزور مفهوم خاص

شهادة الزور هي صورة مخصوصة من الزور تقع في مقام الشهادة، حيث يكون الإنسان مطالبًا بإظهار واقعة أو حق كما يعلمه، فيميل بها عن حقيقتها.

ولذلك فهي ليست مجرد «كلمة كاذبة»، بل قد تتحقق بعدة صور:

أن ينشئ الشاهد واقعة يعلم أنها لم تحدث، أو ينسب فعلًا إلى غير فاعله، أو يخفي جزءًا من الحقيقة يؤدي إخفاؤه إلى تغيير الحكم، أو يلوي عرض الواقعة بحيث تظهر بصورة مخالفة لحقيقتها، أو يستخدم شهادته لمنع صاحب حق من حقه أو إعطاء حقه لغيره.

وهنا ننتقل من مفهوم «الزور» إلى منظومة الشهادة والحقوق لمعرفة الحكم.

الشهادة مرتبطة بالقسط

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).

وقال:

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ… اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8).

إذن الأصل في الشهادة هو إظهار الحقيقة بما يحقق القسط، حتى لو جاءت النتيجة ضد مصلحة الشاهد نفسه أو أهله.

وشهادة الزور تقلب هذه الوظيفة؛ فهي تستعمل أداة إثبات الحق في تحريف الحق.

كتمان الشهادة منهي عنه

قال تعالى:

﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: 283).

هنا يجب التفريق بدقة بين شقين:

﴿لَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ نهي وحكم.

أما:

﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فهو وصف لحالة الفاعل ونتيجة فعله.

فأنا لا أستخرج الحكم من كلمة «آثم»، وإنما الحكم ثابت أصلًا من:

﴿لَا تَكْتُمُوا﴾.

وهذا هو الفرق بين الوصف والحكم.

فكل أمر يوصف بالإثم ليس حلالًا قطعًا، ولكن مجرد وصفه بالإثم لا يخبرني وحده عن رتبة الحكم؛ ولذلك أبحث عن النص الذي يحدد: هل هو محرم أم منهي عنه؟

شهادة الزور وتغطية الحق بالباطل

قال تعالى:

﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 42).

وهذه الآية شديدة الصلة بمفهوم شهادة الزور؛ لأن الشاهد الكاذب لا يقول كلامًا خاطئًا فحسب، بل قد يلبس الحق بالباطل، أي يغطي الحقيقة بصورة أخرى، أو يكتم الحق الذي يعلمه.

ولهذا تكون شهادة الزور أكثر من مجرد كذب؛ إنها عملية لإعادة تشكيل الحقيقة بما يؤدي إلى نتيجة مخالفة للواقع.

لماذا تكون شهادة الزور المتعلقة بحقوق الناس حرامًا؟

لا أقول إن شهادة الزور حرام لمجرد أنها «زور»، ولا لمجرد أن فاعلها يوصف بالإثم، ولا بسبب قوله تعالى ﴿اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.

بل حكم التحريم يُستخرج من الأفعال التي تتحقق بها شهادة الزور وما يترتب عليها من اعتداء على الناس.

فإذا شهد الإنسان زورًا ليسلب شخصًا ماله أو حقه أو يدين بريئًا أو يبرئ معتديًا، فقد تحققت عدة مفاهيم قرآنية مستقلة.

أولها البغي بغير الحق، وقد ورد تحريمه صراحة:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف: 33).

وشهادة الزور التي تُستخدم للاعتداء على حق إنسان هي صورة واضحة من البغي بغير الحق؛ لأن الشاهد يستعمل قوله قوةً للاعتداء على حق غيره.

ومن هنا ثبت التحريم من نص تحريم البغي بغير الحق، لا من مجرد وصف الشهادة بالزور أو الإثم.

شهادة الزور وأكل حقوق الناس بالباطل

قال تعالى:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188).

وهذا من أوضح النصوص في القضية.

فالآية تتحدث عن استخدام وسائل أمام الحكام للوصول إلى أموال الناس بالباطل مع العلم.

وشهادة الزور أمام القضاء التي تؤدي إلى أخذ مال إنسان أو حقه تدخل مباشرة في هذه المنظومة: استعمال الإجراء القضائي نفسه وسيلة لإنتاج نتيجة باطلة.

وهنا الحكم ثابت من النهي:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾.

أما وصف:

﴿بِالْإِثْمِ﴾

فيبين طبيعة الفعل، لكنه ليس هو الذي أنشأ الحكم.

شهادة الزور وبخس الناس حقوقهم

قال تعالى:

﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الأعراف: 85).

وقال:

﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء: 183).

والبخس هو إنقاص الناس حقوقهم وأشياءهم.

فإذا أدت الشهادة الكاذبة إلى إسقاط حق شخص أو إنقاصه أو نقله إلى غير صاحبه، فهي تحقق البخس أيضًا، وقد ورد بشأنه نهي صريح.

وهنا مرة أخرى لا نحتاج إلى عبارة عامة من نوع «شهادة الزور من الكبائر»، بل نرتل النصوص ونحدد حقيقة الفعل الذي حصل.

شهادة الزور والعدوان

قال تعالى:

﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190).

فالاعتداء ليس مقصورًا على الضرب المادي؛ بل يتحقق كلما تجاوز إنسان حد حقه إلى حق غيره.

والشاهد الذي يستخدم قوله لإيقاع عقوبة ببريء، أو حرمان شخص من مال، أو إعطاء مال إلى غير صاحبه، يمارس عدوانًا بأداة القول والشهادة.

فتجتمع في شهادة الزور المتعلقة بحقوق الناس عدة جهات: زور، وكذب، وتغطية للحق، وبغي بغير الحق، وعدوان، وبخس، وقد تؤدي إلى أكل المال بالباطل.

والحكم لا نستخرجه من الاسم العام «شهادة الزور»، وإنما من هذه الأفعال القرآنية المحددة.

الفرق بين الكذب والزور في الشهادة

الكذب هو قول خبر مخالف للواقع.

أما الزور فأوسع من ذلك في مقام الشهادة؛ لأنه إمالة للحقيقة عن وجهها.

لذلك قد تتحقق شهادة الزور بالكذب المباشر، وقد تتحقق دون جملة كاذبة صريحة، كأن يذكر الشاهد نصف الحقيقة ويكتم النصف الذي يغير الحكم.

فمن هذه الجهة:

كل شهادة كاذبة عمدًا هي زور، لكن الزور قد يتحقق أيضًا بكتمان الحق أو ليّه أو عرضه بصورة توصل إلى نتيجة باطلة.

ولهذا قال تعالى:

﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135).

فالخلل في الشهادة لا ينحصر في اختلاق الكلام، بل يشمل ليّ الحقيقة والإعراض عن جزء منها.

الفرق النهائي بين قول الزور وشهادة الزور

قول الزور جنس عام، وهو كل استعمال للقول في تحوير الحقيقة وإظهارها على غير وجهها.

وقوله:

﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: 30)

توجيه وتعليم بالابتعاد عنه.

أما:

﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (الفرقان: 72)

فلا ينبغي تحويلها آليًا إلى المصطلح الفقهي «شهادة الزور»؛ لأن «شهد» هنا يمكن أن يتعلق بالحضور والمشاركة في بيئة الزور، ويؤيد ذلك سياق المرور باللغو.

أما شهادة الزور المتعلقة بحقوق الناس فهي صورة مخصوصة لها منظومتها القرآنية المستقلة، وحكمها لا يؤخذ من كلمة «الزور» وحدها، وإنما من النصوص التي تحكم الشهادة والعدل والحقوق.

وهي حرام عندما تتحقق بها صورة البغي بغير الحق الذي حرمه الله صراحة، إضافة إلى ما تشتمل عليه من عدوان وتغطية للحق وبخس للناس وقد يترتب عليها أكل أموالهم بالباطل.

النتيجة

الزور مفهومه إمالة الحقيقة وتحريفها عن وجهها الصحيح.

وقول الزور هو ظهور هذا المفهوم في القول.

والاجتناب توجيه وتعليم بالابتعاد، ولا أساويه بلفظ التحريم.

والإثم وصف، وليس صيغة تشريع؛ فإذا وُصف فعل بالإثم علمنا قطعًا أنه ليس حلالًا، لكننا نبحث في النصوص الأخرى لمعرفة رتبة حكمه.

أما شهادة الزور في حقوق الناس، فدليل تحريمها ليس مجرد وصفها بأنها «إثم» أو «زور»، وإنما لأنها تتحقق في صور حرّمها الله أو نهى عنها بنصوص مستقلة: البغي بغير الحق، والعدوان، وتغطية الحق بالباطل، وكتمان الشهادة، وبخس الناس حقوقهم، وأكل الأموال بالباطل.

وهكذا يكون الحكم نتيجة ترتيل منظومة النصوص، لا نتيجة نقل حكم جاهز إلى كلمة منفردة.